الحديث رقم 386
نص الحلقة
في كتاب بدء الخلق وصفات المخلوقات، أخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن عرش إبليس على البحر، وفي رواية: إن إبليس يضع عرشه على الماء، فيبعث سراياه، فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده، وفي رواية: فأدناهم منه منزلة، أعظمهم فتنة. يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا. ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويلتزمه، ويقول: نعم أنت. يلتزمه أي يضمه ويعانقه، وقوله نعم أنت هو بكسر النون وإسكان العين، وهي نعم الموضوعة للمدح، فيمدحه لإعجابه بصنعه وبلوغه الغاية التي أرادها. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن عفريتًا من الجن تفلت علي البارحة، وفي رواية: جعل يفتك علي البارحة، وفي أخرى: إن الشيطان عارض لي فشد علي ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه فذعته، وفي رواية: فأخذته، فأردت أن أربطه بسارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، فرده الله خاسئًا. العفريت هو المتمرد العاتي من إنس أو جن، والفتك الأخذ في غفلة وخديعة، وقوله ذعته أي خنقته، والذعت أشد الخنق. وفيه جواز العمل القليل في الصلاة، وقوله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرت قول أخي سليمان. قال القاضي: معناه أنه مختص بهذا، فامتنع نبينا صلى الله عليه وسلم من ربطه، إما أنه لم يقدر عليه لذلك، أو لم يتعاطَ ذلك لظنه أنه لن يقدر عليه، أو تواضعًا وتأدبًا منه صلى الله عليه وسلم. وأخرج مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك، ثم قال: ألعنك بلعنة الله ثلاثًا، وبسط يده كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك. قال: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة. قوله: والله لولا دعوة أخينا، قال النووي: فيه جواز الحلف من غير استحلاف، لتعظيم ما يُخبر به، والمبالغة في صحته وصدقه، وقد كثرت الأحاديث بمثل هذا. وأخرج مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم. قال النووي: معناه أيس أن يعبده أهل جزيرة العرب، لكنه سعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن. وأخرج البخاري ومسلم عن صفية رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفًا فأتيته أزوره ليلًا، فحدثته ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على رسلكما، إنها صفية بنت حيي. فقالا: سبحان الله. فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا أو قال شيئًا. قال النووي: فيه كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته، فخاف أن يلقي الشيطان في قلوبهما فيهلكا، فإن ظن السوء بالأنبياء كفر بالإجماع، وفيه جواز زيارة المرأة لزوجها المعتكف في ليل أو نهار، ولكن يكره الإكثار من مجالستها والاستلذاذ بحديثها لئلا يكون ذريعة لما يفسد الاعتكاف كالقبلة أو غيرها. وأخرج مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة. قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير. قوله: فأسلم، روي برفع الميم وفتحها. وهما روايتان مشهورتان، فمن رفع قال معناه أسلم أنا من شره وفتنته، ومن فتح قال إن القرين أسلم من الإسلام وصار مؤمنًا لا يأمرني إلا بخير. واختلفوا في الأرجح، فرجح الخطابي الرفع، ورجح القاضي عياض الفتح. قال النووي: وهو المختار، لقوله صلى الله عليه وسلم: فلا يأمرني إلا بخير. واختلفوا على رواية الفتح، قيل: أسلم بمعنى استسلم وانقاد، وقد جاء هكذا في رواية صحيح مسلم فاستسلم، وقيل معناه صار مسلمًا مؤمنًا، وهذا هو الظاهر. قال القاضي: واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه، وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه، فأعلمنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان. وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من عندها ليلًا، قالت: فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: ما لك يا عائشة، أغرتِ علي؟ فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقد جاءك شيطانك؟ قالت: يا رسول الله، أو معي شيطان؟ قال: نعم. قلت: ومع كل إنسان؟ قال: نعم. قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم. وأخرج مسلم عن عائشة قالت: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: بلى. قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها عندي. انقلب فوضع رداءه وخلعن عليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت، فأخذ رداءه رويدًا، وانتعل رويدًا، وفتح الباب رويدًا فخرج، ثم أجافه رويدًا، فجعلت درعي في رأسي، واختمرت وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: ما لك يا عائش حشيا رابية؟ قلت: لا شيء. قال: لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير. قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرته. قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم. فلهدني في صدري لهدة أوجعتني، ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قلت: مهما يكتم الناس يعلمه الله. نعم. قال: فإن جبريل عليه السلام أتاني حين رأيتي، فناداني فأخفاه منك فأجبته، فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم. قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون. قولها تقنعت إزاري، أي لبست إزاري، والإحضار: العدو والإسراع. وقوله حشى رابية، أي وقع عليك الحشاء وهو الربو، والنهيج الذي يعرض للمسرع في مشيه من ارتفاع النفس وتواتره، والرابية التي أخذها الربو، والنهيج وانتفاخ الجوف. وقيل أصله من إصابة الربو حشاه. قولها فلهدني، بفتح الهاء والدال المهملة، وروي فلهزني بالزاي، وهما متقاربان. لهده أي دفعه، ولهزه أي ضربه بجمع كفه في صدره.