الحديث رقم 132
نص الحلقة
باب أحكام الصيام وآدابه. أخرج الدارمي وأبو داود والترمذي والبزار والنسائي وابن خزيمة وابن حبان بسند حسن عن صلة بن زفر قال: كنا عند عمار في اليوم الذي يُشك فيه من شعبان أو رمضان، فأُتي بشاة مصلية، فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم، فقال: إني صائم. فقال عمار: من صام هذا اليوم، وفي رواية: من صام اليوم الذي يُشك فيه، فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي والدارقطني والبيهقي في السنن بسند حسن عن أبي عمير عبد الله بن أنس بن مالك، عن عمومة له من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ركبًا جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم. وفي رواية: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا لعيدهم من الغد. قال في المرقاة: قال ابن الهمام: بيَّن في رواية ابن ماجه والدارقطني أنهم قدموا آخر النهار، وفي رواية الطحاوي أنهم شهدوا بعد الزوال، وبه أخذ أبو حنيفة أن وقتها من ارتفاع الشمس إلى زوالها، إذ لو كانت صلاة العيد تؤدى بعد الزوال لما أخرها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغد. قال المظهر: يعني لم يروا الهلال في المدينة ليلة الثلاثين من رمضان، فصاموا ذلك اليوم. فجاءت قافلة في أثناء ذلك اليوم، وشهدوا أنهم رأوا الهلال ليلة الثلاثين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإفطار وبأداء صلاة العيد في اليوم الحادي والثلاثين. وأخرج مالك والنسائي والبيهقي في السنن بسند صحيح عن ابن عمر، كان يقول: لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر. وفي رواية قال: إذا لم يُجمع الرجل الصوم من الليل فلا يصوم. وفي أخرى أنه كان يقول: لا يصومن إلا من أجمع الصيام قبل الفجر. وأخرج مالك والنسائي والبيهقي عن عائشة وحفصة مثله. حمل الجمهور هذا الحديث على الصيام الواجب، لحديث عائشة عند مسلم، وسيأتي في باب الصيام التطوع، قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا. قال: فإني إذن صائم. قال ابن قدامة: صوم التطوع يجوز بنية من النهار عند إمامه، يعني الإمام أحمد وأبي حنيفة والشافعي. وروي ذلك عن أبي الدرداء وأبي طلحة وابن مسعود وحذيفة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي. وقال مالك وداود: لا يجوز إلا بنية من الليل، لحديث حفصة. وأخرج مسلم عن كريب مولى ابن عباس أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام. فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ قلت: نعم. ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. بوب عليه مسلم بقوله: باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم، وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم. قال في المرقاة: أم الفضل هي لبابة، وهي زوجة العباس بن عبد المطلب، وأم أكثر بنيه، وهي أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره الطيبي. وأخرج مسلم عن أبي البختري سعيد بن فيروز قال: خرجنا للعمرة، فلما نزلنا ببطن نخلة تراءينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين. فلقينا ابن عباس، فقلت: إنا رأينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فقال: أي ليلة رأيتموه؟ فقلنا: ليلة كذا وكذا. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله مده للرؤية، فهو لليلة رأيتموه. وفي رواية قال أبو البختري: أهللنا رمضان ونحن بذات عِرق، فأرسلنا رجلاً إلى ابن عباس فسأله، فقال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أمده لرؤيته، فإن أُغمي عليكم فأكملوا العدة. أمده لرؤيته، قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ، أمده بألف في أوله، والهاء في أمده عائد على الشهر، ومعناه أطال مدته، أي مدة شعبان إلى رؤيته هلال رمضان، يقال مدَّ وأمدَّ. وقُرئ بالوجهين قوله تعالى: وإخوانهم يمدونهم في الغي، وفيه أنه لا اعتبار بكبر الهلال وصغره، وإنما العبرة بالرؤية أو بكمال العدة ثلاثين. وأخرج ابن ماجه وأبو داود والترمذي والبزار والدارقطني بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون. قال الترمذي: فسر بعض أهل العلم هذا الحديث بأن الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس. وقال الخطابي: معنى الحديث أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو اجتهدوا فلم يروا الهلال ثم لم يفطروا حتى استوفوا ثلاثين، ثم تبين أن الشهر كان تسعًا وعشرين، فصومهم وفطرهم ماضٍ ولا شيء عليهم. وكذلك الحج لو أخطؤوا يوم عرفة فليس عليهم إعادته. ويجزيهم أضحاهم، وهذا تخفيف من الله سبحانه، ولو كُلِّفوا أن يعيدوا لم يأمنوا أن يخطئوا ثانياً وثالثاً ورابعاً. وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تسحروا، فإن في السحور بركة. السحور بفتح السين اسم لما يُتسحر به، وبضمها يعني الفعل، أي التسحر، كالوضوء والهبوب والسعوط والحنوط ونحوها. وأخرج مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر. وأخرج أبو داود والبزار وابن حبان والبيهقي في السنن بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نعم سحور المؤمن التمر. وأخرج الشيخان عن أنس عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية. وللبخاري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة فصلى. قال قتادة: قلنا لأنس. كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية. وفيه الحث على تأخير السحور إلى قبيل الفجر، واستحباب التغليس بصلاة الفجر في أول وقتها، وهو طلوع الفجر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل فيها بغلس. وأخرج البخاري عن سهل بن سعد قال: كنت أتسحر في أهلي ثم يكون بي سرعة أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال في الفتح: قال عياض: مراد سهل أن سحوره لقربه من طلوع الفجر كان بحيث لا يكاد يدرك صلاة الصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولشدة تغليس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبح. وقال ابن منير: المراد أنهم كانوا يزاحمون بالسحور الفجر، فيختصرون فيه ويستعجلون خوف الفوات.