الحديث رقم 135
نص الحلقة
أخرج البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ، كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها، وفي رواية: حتى نزلت هذه الآية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. وأخرج البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ. قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا. وفي رواية عن ابن عمر أنه قرأ: فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ، قال: هي منسوخة. قال ابن حجر في فتح الباري: قوله ليست بمنسوخة، هذا مذهب ابن عباس، وخالفه الأكثر، وعن ابن عمر أنها منسوخة، ورجحه ابن المنذر من جهة قوله: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ، قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير لم يناسب أن يقال له: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ، مع أنه لا يطيق الصيام. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل، فقال: يا رسول الله، هلكت. قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: هل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا. قال: اجلس. فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، والعرق المكتل الضخم. قال: أين السائل؟ قال: أنا. قال: خذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها، يريد الحرتين، أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك. وأخرج البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غيم، ثم طلعت الشمس. وقيل لهشام: أفأمر بالقضاء؟ قال: بد من قضاء. وفي رواية قال: لا بد من قضاء. وقال معمر: سمعت هشامًا لا أدري أقضوا أم لا. قوله: بد من قضاء هو استفهام إنكار، والمعنى: لا بد من قضاء كما في الرواية الأخرى. وقوله: سمعت هشامًا، أي سمعته يقول، كما جاء بسنده عند عبد بن حميد. قال الحافظ ابن حجر: وظاهر هذه الرواية يعارض التي قبلها، لكن يجمع بينهما بأن جزمه بالقضاء محمول على أنه استند فيه إلى دليل آخر، وأما حديث أسماء فلا يحفظ فيه إثبات القضاء ولا نفيه، وقد اختلف في هذه المسألة، فذهب الجمهور إلى إيجاب القضاء. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت. كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان. قال يحيى: الشغل من النبي أو بالنبي صلى الله عليه وسلم. ولمسلم قالت: إن كانت إحدانا لا تفطر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتي شعبان. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من مات وعليه صوم صام عنه وليه. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان ذلك يؤدي عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك. وفي رواية قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى. باب صيام التطوع وما نهي عن صومه. أخرج مسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال سُئِلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أيُّ الصلاةِ أفضلُ بعد المكتوبة، وأيُّ الصيامِ أفضلُ بعد شهرِ رمضان؟ فقال: أفضلُ الصلاةِ بعد الصلاةِ المكتوبةِ الصلاةُ في جوفِ الليل، وأفضلُ الصيامِ بعد شهرِ رمضان صيامُ شهرِ اللهِ المحرم. قد سبق الحديث في باب صلاة الليل، وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم استكمل صيامَ شهرٍ قط إلا شهرَ رمضان، وما رأيتُه في شهرٍ أكثرَ منه صيامًا في شعبان. ولمسلم قالت: كان يصوم شعبان إلا قليلًا. وأخرج مسلم عن عبد الله بن شقيق قال: سألتُ عائشة عن صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان يصوم حتى نقول قد صام، قد صام، ويفطر حتى نقول قد أفطر، قد أفطر، وما رأيتُه صام شهرًا كاملًا منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان. وفي رواية قالت: ما علمتُه صام شهرًا كله إلا رمضان، ولا أفطره كله حتى يصوم منه حتى مضى لسبيله. وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما صام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شهرًا كاملًا قط غير رمضان، وكان يصوم حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم. وفي رواية: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. وأخرج البخاري ومسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هل صمت من سرر هذا الشهر شيئًا؟ يعني شعبان. قال: لا. قال: إذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه. وفي رواية قال: أصمت سرر هذا الشهر؟ قال: أظنه يعني رمضان. وفي أخرى قال: أصمت من سرر شعبان؟ قال: لا. قال: إذا أفطرت فصم يومين. قال البخاري: وشعبان أصح. وفي أخرى: أصمت من سرة هذا الشهر. ضبطوا سرر بفتح السين وكسرها، وحكى القاضي ضمها، قال: وهو جمع سرة، وسر كل شيء جوفه ووسطه، ومنه سرة الإنسان، فكأنه أراد الأيام البيض. وقيل سرره أوله، وقيل آخره، ولم يندب في الأحاديث لصيام أول الشهر ولا آخره، وإنما الندب لصوم الأيام البيض، والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.