الحديث رقم 218
نص الحلقة
لم نزل فيها في كتاب الأشربة. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما: أتتهم امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فقال: إن وفد عبد القيس أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من الوفد أو من القوم؟ قالوا: ربيعة. قال: مرحبًا بالقوم أو بالوفد، غير خزايا ولا ندامى. فقالوا: يا رسول الله، إنا نأتيك من شقة بعيدة، وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة. فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: هل تدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسًا من المغنم. ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير. قال شعبة: وربما قال: المقير. وقال: احفظوه وأخبروا به من وراءكم. وفي رواية نحوه، قال: أنهاكم عما ينبذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت. قوله نبيذ الجر، الجر والجرار جمع جرة، وهو من الخزف معروف، وقيل هو ما كان منه مدهونًا. وقوله خزايا جمع خزيان من الخزاية، وهي الاستحياء، وكذلك ندامى جمع ندمان. وَهُوَ فَعْلانُ مِنَ النَّدَمِ، وَقَوْلُهُمْ شُقَّةٌ، الشُّقَّةُ هِيَ الْمَسَافَةُ الْبَعِيدَةُ، وَالسَّفَرُ الْبَعِيدُ، وَالدُّبَّاءُ هُوَ الْقَرَعُ، وَاحِدُهَا دُبَّاءَةٌ، وَالْحَنْتَمُ جِرَارٌ خُضْرٌ كَانُوا يَخْزِنُونَ فِيهَا الْخَمْرَ، وَالنَّقِيرُ أَصْلُ خَشَبَةٍ تُنْقَرُ، وَقِيلَ أَصْلُ نَخْلَةٍ، وَالْمُزَفَّتُ الْوِعَاءُ الْمَطْلِيُّ بِالزِّفْتِ مِنْ دَاخِلٍ، وَكَذَلِكَ الْمُقَيَّرُ، وَهَذِهِ الْأَوْعِيَةُ تُسْرِعُ بِالشِّدَّةِ فِي الشَّرَابِ، وَتُحْدِثُ فِيهَا الْقُوَّةَ الْمُسْكِرَةَ عَاجِلًا، وَتَحْرِيمُ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الظُّرُوفِ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَاسًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّا حَيٌّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْكَ إِلَّا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَأْمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَآتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ، وَأَعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ. قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟ قَالَ: بَلَى، جِذْعٌ تَنْقُرُونَهُ فَتُلْقُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ، أَوْ قَالَ: مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ شَرِبْتُمُوهُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ أَوْ أَحَدَهُمْ لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ. قَالَ: وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ. قال وكنت أخبؤها حياءً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ففيما نشرب يا رسول الله؟ قال: في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها. قالوا: يا رسول الله، إن أرضنا كثيرة الجرذان، ولا تبقى بها أسقية الأدم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان. الأدم بفتح أوله وثانيه، وبضمهما الأُدُم جمع أَديم وهو الجلد، وقوله يلاث على أفواهها أي يلف ويربط. وأخرج مسلم رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحنتم، وهي الجرة، وعن الدباء وهي القرعة، وعن المزفت وهو المقير، وعن النقير وهي النخلة تنسح نسحًا وتنقر نقرًا، وأمر أن ينبذ في الأسقية. وفي رواية قال ابن جبير: أشهد على ابن عمر وابن عباس أنهما شهدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير. وفي أخرى قال: سألت ابن عمر عن نبيذ الجر، قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيذ الجر. فأتيت ابن عباس فقلت: ألا تسمع ابن عمر؟ قال: وما يقول؟ قلت: قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيذ الجر. قال: صدق ابن عمر، حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيذ الجر. قلت: وأي شيء نبيذ الجر؟ قال: كل شيء يصنع من المدر. قوله: تنسح بنون ثم سين ثم حاء مهملتين، هكذا هو في معظم النسخ. أي تُقشر ثم تُنقر فتصير نقيرًا، والحنتمة الجرة، والأسقية جمع سقاء وهي ظروف الماء إذا كانت من جلد، والمدر الطين المستحجر. قالوا إنما نهى عن هذه الظروف لأنها تسرع الشدة فيها في النبيذ. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجر والمزفت والنقير. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُنتبذ له في سقاء، فإذا لم يجدوا سقاءً نُبذ له في تور من حجارة. التور إناء صغير يكون من الحجارة ويكون من النحاس. وأخرج مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تنتبذوا في الدباء ولا في المزفت. ثم يقول أبو هريرة: واجتنبوا الحناتم. وفي رواية: نهى عن المزفت والحنتم والنقير. قيل لأبي هريرة: ما الحنتم؟ قال: الجرار الخضر. وفي أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد القيس: أنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير والمزادة المجبوبة، ولكن اشرب في سقائك أو أوكيه. الحنتم والحناتم جمع حنتمة، وهي الجرة، والمزادة القربة المزيدة، والمجبوبة هي المقطوعة التي ليس لها عزلاء، أي ثقب من أسفلها يتنفس منها، فالشراب قد يتغير فيها، وإنما أذن في السقاء لأنه جلد يتخلله الهواء فلا يسرع إليه التخمر كبقية الأوعية. وسيأتي نسخ هذا التخصيص، وإباحة الشرب في أي وعاء ما لم يسكر. وأخرج البخاري رحمه الله عن أبي إسحاق الشيباني قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النبيذ في الجر الأخضر. قلت: أنشرب في الأبيض؟ قال: لا. وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: لما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبيذ في الأوعية، قالوا: ليس كل الناس يجد، يعني سقاءً، فأرخص لهم في الجر غير المزفت.