الحديث رقم 219
نص الحلقة
في كتاب الأشربة، أخرج البخاري رحمه الله عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظروف، فقالت الأنصار: لا بد لنا منها. قال: فلا إذن. الظروف الأوعية، والنهي عن الانتباذ فيها؛ لأنه قد يتخمر دون علمهم، وقوله: فلا إذن، أي فلا نهي عنها ما دمتم تحتاجون إليها. قال ابن حجر: قال ابن بطال: النهي عن الأوعية إنما كان قطعًا للذريعة، فلما قالوا لا بد لنا منها قال: انتبذوا، وكل مسكر حرام. وهكذا الحكم في كل شيء نُهي عنه بمعنى النظر إلى غيره، فإنه يسقط للضرورة، كالنهي عن الجلوس في الطرقات، فلما قالوا لا بد لنا منها قال: فأعطوا الطريق حقها. وقال الخطابي: ذهب الجمهور إلى أن النهي إنما كان أولًا ثم نُسخ، وذهب جماعة إلى أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية باقٍ، والأول أصح. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البِتع، وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، والمِزر، وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم بخواتمه، فقال: أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة. وفي رواية قال: كل مسكر حرام. قوله: أُعطي جوامع الكلم بخواتمه، أي إيجاز اللفظ مع تناوله المعاني الكثيرة جدا. وقوله بخواتمه، أي كأنه يختم على المعاني الكثيرة التي تضمنها اللفظ اليسير، فلا يخرج منها شيء عن طالبه. وأخرج مسلم رحمه الله عن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم، أي الجلود، فاشربوا في كل وعاء غير ألا تشربوا مسكرا. وفي رواية: نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا. وفي أخرى أنه قال: نهيتكم عن الظروف، وإن الظروف أو ظرفا لا تحل شيئا ولا تحرمه، وكل مسكر حرام. قال الإمام النووي رحمه الله: هذا الحديث مما صرح فيه بالناسخ والمنسوخ جميعا. قال العلماء: يعرف نسخ الحديث تارة بنص كهذا، وتارة بإخبار الصحابي، ككان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، وتارة بالتاريخ إذا تعذر الجمع، وتارة بالإجماع كترك قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، والإجماع لا ينسخ لكن يدل على وجود ناسخ. وأخرج مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل علمت أن الله حرمها؟ قال: لا. قال: فسارَّ إنسانا إلى جانبه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم. بما ساررته، قال: أمرته ببيعها، فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها، ففتح المزاد حتى ذهب ما فيها. قوله: راوية خمر، أي قربة مملوءة خمرا. وقوله: فتح المزاد هكذا وقع في أكثر النسخ، جمع مزادة، وفي بعضها المزادة بها، وسميت راوية لأنها تروي صاحبها. ومزادة قيل لأنه يتزود فيها الماء في السفر وغيره، وقيل لأنه يزاد فيها جلد لتتسع. قال النووي: وفي قوله: ففتح المزاد دليل لمذهب الجمهور أن أواني الخمر لا تكسر ولا تشق، بل يراق ما فيها. وعمالك روايتان، إحداهما كالجمهور، والثانية يكسر الإناء ويشق السقاء، وهذا ضعيف لا أصل له. وأما حديث أبي طلحة أنهم كسروا الدنان، فإنما فعلوا ذلك بأنفسهم من غير أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر قال على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما بعد أيها الناس، فإنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة. وفي رواية: ألا وإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمسة أشياء: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل. قوله: وهي من خمسة جملة حالية، أي نزل تحريم الخمر في حال كونها تصنع من خمسة، ويجوز أن تكون استئنافية أو معطوفة، والأول أظهر. وأراد عمر آية: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر. وقوله: والخمر ما خامر العقل، أراد به التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصا بالمتخذ من العنب، بل يتناول غيرها. وقد جاء هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحا في حديث أبي موسى السابق: أنها عن كل مسكر، وفي رواية: كل مسكر حرام. قال ابن حجر: واستدل بمطلق قوله: كل مسكر حرام على تحريم ما يسكر ولو لم يكن شرابا، فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها. وقد جزم النووي وغيره بأنها مسكرة، وجزم آخرون بأنها مخدرة، وهي مكابرة؛ لأنها تُحدث بالمشاهدة ما يحدث الخمر من الطرب والنشوة، والمداومة عليها، والانهماك فيها. وعلى تسليم أنها ليست مسكرة، فقد ثبت في أبي داود النهي عن كل مسكر ومفتر، وهو بالفاء. وأخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر: أتتخذ خلا؟ قال: لا. بوّب عليه مسلم رحمه الله بقوله: باب تحريم تخليل الخمر. قال النووي: هذا دليل الجمهور أنه لا يجوز تخليل الخمر، ولا تطهر بالتخليل إذا خُلِّلَت بخبز أو بصل أو خميرة أو غير ذلك مما يُلقى فيها، فهي باقية على نجاستها، وينجس ما أُلقي فيها، ولا يطهر هذا الخل بعده أبدا، لا بغسل ولا بغيره. وأجمعوا أنها إذا انقلبت بنفسها خلا طهرت. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة. ولمسلم قال: كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام. ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يدمنها لم يتب منها لم يشربها في الآخرة. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه أن رجلاً قدم من جيشان، وجيشان من اليمن، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوَ مسكر هو؟ قال: نعم. قال: كل مسكر حرام، وإن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال. قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار. وأخرج البخاري عن أبي الجويرية قال: سألت ابن عباس عن الباذق، فقال: سبق محمد الباذق، فما أسكر فهو حرام. قال: عليك الشراب الحلال الطيب. قال: ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث. الباذق بفتح الذال المعجمة وكسرها عصير العنب إذا طبخ حتى يسكر، وربما كان معرباً من باذه، وهي الخمر بالفارسية. وقوله: سبق محمد الباذق، أي سبق حكمه أن ما أسكر حرام مهما غيروا أسماءها. قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: يشبه أن يكون استحلالهم الخمر يعني به أنهم يسمونها بغير اسمها كما جاء الحديث، فيشربون الأنبذة المحرمة ولا يسمونها خمراً. وأخرج أحمد والنسائي عن ابن محيريز عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن ماجه وأبو داود وابن حبان والطبراني في الكبير والبيهقي في السنن عن أبي مالك الأشعري بسند حسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها. وزاد ابن ماجه وابن حبان والطبراني والبيهقي: ويضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات، وفي رواية: والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم قردة وخنازير. القينات جمع قينة وهي الأمة المغنية. قال في المرقاة: يسمونها بغير اسمها، أي يتسترون في شربها بأسماء الأنبذة المباحة، كماء العسل وماء الذرة ونحو ذلك، ويزعمون أنه غير محرم وهم كاذبون؛ لأن كل مسكر حرام.