الحديث رقم 116
نص الحلقة
أخرج أحمد والترمذي وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبغوي والضياء المقدسي بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله. قالوا: وكيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل موته. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي في السنن بسند حسن عن عبيد بن خالد السلمي قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين، فقتل أحدهما ومات الآخر بعده بجمعة أو نحوها، فصلينا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما قلتم؟ فقلنا: دعونا له، وقلنا: اللهم اغفر له وألحقه بصاحبه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين صلاته بعد صلاته؟ وأين صيامه أو عمله بعد عمله؟ فإن بينهما كما بين السماء والأرض. وفي رواية: ما بينهما أبعد ما بين السماء والأرض. قال السندي: وبه ظهر فضيلة العمر مع التوفيق. انتهى. وهو موافق لحديث أبي بكرة: أي الناس خير؟ قال: من طال عمره وحسن عمله. وسيأتي في باب حسن الخلق. وأخرج مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بثلاث يقول: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها. قال حماد في روايته: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك، فيقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال: وإن الكافر إذا خرجت روحه، قال حماد: وذكر من نتنها، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريطة كانت عليه على أنفه هكذا، وذكر لعناً، ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. الريطة هي الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفقين، أي شقتين مضمومتين، والملاءة هي الملحفة التي يتلحف بها الرجل، أي يتغطى بها. وقيل: الريطة كل ثوب لين رقيق. وقولهم: انطلقوا به إلى آخر الأجل، قال النووي: قال القاضي: المراد بالأول انطلقوا بروح المؤمن إلى سدرة المنتهى، والمراد بالثاني انطلقوا بروح الكافر إلى سجين، فهي منتهى الأجل. ويحتمل أن المراد إلى انقضاء أجل الدنيا. وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي في السنن بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور. قال البغوي في شرح السنة: ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا كان قبل الترخيص في زيارة القبور، وذهب بعضهم إلى أنه كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن. وأخرج الشيخان عن أم عطية رضي الله عنها قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. قولها: ولم يعزم علينا، قال الحافظ في الفتح: أي لم يؤكد علينا في المنع، كما أُكد علينا في غيره من المنهيات، فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم. وقال القرطبي: ظاهر سياق أم عطية أن النهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم. وأخرج مسلم عن بريدة وأبي موسى رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت. قال النووي: فيه جواز زيارة المشركين في الحياة، وزيارة قبورهم بعد الوفاة، وفيه النهي عن الاستغفار للكفار. وأخرج مسلم عن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم. السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. أسأل الله لنا ولكم العافية. وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كان ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع ويقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد. وفي رواية قالت: قلت كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين، وكان ظئرًا لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال ابن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا ابن عوف إنها رحمة. ثم أتبعها بأخرى، فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون. وقال صلى الله عليه وسلم: إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي. وَإِنَّ لَهُ لَضِئْرَيْنِ تُكَمِّلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ. الضِّئْرُ هي مُرضِعةُ ولدِ غيرِها، وزوجُها ضِئْرٌ للرضيع، ولفظةُ ضِئْرٍ تقع على الذكر والأنثى. وأخرج الشيخان عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: أرسلت بنت النبي صلى الله عليه وسلم إليه أن ابنًا لي قُبِض فائتنا. فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب. فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال، وانطلقت معهم. فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع كأنها في شن، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. الشَّنُّ هو القربة البالية.