الحديث رقم 117
نص الحلقة
في كتاب الجنائز، أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غاشية من أهله، فقال: أقد قضى؟ فقالوا: لا يا رسول الله. فبكى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا. قال: ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه، أو يرحم. زاد البخاري: وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه. وكان عمر رضي الله عنه يضرب فيه بالعصا ويرمي بالحجارة ويحثي بالتراب. وأخرج الشيخان عن علي بن ربيعة قال: أول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب. فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة. قال ابن حجر: قرظة أنصاري خزرجي، كان أحد من وجههم عمر إلى الكوفة ليفقه الناس، وكان على يده فتح الري، واستخلفه علي على الكوفة، مات بالكوفة حين كان المغيرة أميرًا عليها من قبل معاوية. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال. قال النبي صلى الله عليه وسلم: الميت يعذب في قبره بما نيح عليه، وفي رواية: ما نيح عليه. هذه رواية ابن عمر عن أبيه، ورواه عن عمر ابن عباس وأبو موسى الأشعري وأنس بألفاظ متقاربة المعنى. وفي حديث ابن عباس أن عائشة قالت: لا والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قط: إن الميت يعذب ببكاء أحد، ولكنه قال: إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابًا، وإن الله لهو أضحك وأبكى، ولا تزر وازرة وزر أخرى، ولكن السمع يخطئ. وأخرج الشيخان عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: سمعت عائشة، وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه، تقول: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ. إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يُبكى عليها، فقال: إنه ليبكى عليها وإنها لتعذب في قبرها. ولمسلم عن عروة قال: ذُكر عند عائشة قول ابن عمر: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: رحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئًا فلم يحفظه. إنما مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وإنه ليعذب. وأخرج الشيخان عن ابن أبي مليكة قال: توفيت بنت لعثمان بن عفان بمكة. فَجِئْنَا نَشْهَدُهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ مُوَاجِهُهُ: أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي، يَقُولُ: وَأَخَاهُ وَاصَاحِبَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَتَبْكِي عَلَيَّ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ عُمَرَ، لَا وَاللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ قَالَ: إِنَّ اللهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهِ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ شَيْئًا. قَالَ: وَلَمَّا بَلَغَ عَائِشَةَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ، قَالَتْ: إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِي عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ وَلَا مُكَذَّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا طُعِنَ أَعْوَلَتْ عَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَقَالَ: يَا حَفْصَةُ، أَمَا سَمِعْتِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ. وعوَّل عليه صهيب، فقال عمر: يا صهيب، أما علمت أن المعوَّل عليه يُعذَّب؟ يقال: أعوَل على الميت وعوَّل عليه، أي ندبه وبكى عليه، والعويل البكاء، أو صوت من غير بكاء. وأخرج البخاري عن النعمان بن بشير قال: أُغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، واكذا، واكذا، تعدد عليه. فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك. فلما مات لم تبك عليه. عمرة بنت رواحة هي أم النعمان بن بشير رضي الله عنه. قوله: أنت كذلك، استفهام إنكار. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية. وفي رواية: أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية. ودعوى الجاهلية هي النياحة ونحوها، أو الندبة، كقولهم: واجبلاه، أو الدعاء بالويل والثبور؛ لأن كل ذلك يتضمن عدم الرضا بالقضاء. وأخرج الشيخان عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: وجع أبو موسى وجعًا، فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا. فلما أفاق قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. هذه رواية البخاري، ولمسلم قال: أُغمي على أبي موسى، فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة، ثم أفاق، فقال: ألم تعلمي؟ وكان يحدثها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق. الصالقة والسالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة، والصلق والسلق شدة الصوت. قال الله تعالى: سلقوكم بألسنة حداد، والحالقة التي تحلق شعرها، والشاقة التي تشق جيبها. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: لما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة، جلس يُعرف فيه الحزن، وأنا أنظر من صائر الباب، تعني شق الباب، فأتاه رجل فقال: إن نساء جعفر وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهن. فذهب ثم أتى الثانية، فذكر أنهن لم يطعنه، فقال: انههن. فأتاه الثالثة، فقال: والله لقد غلبنا يا رسول الله. فزعمت أنه قال: فاحث في أفواههن التراب. قالت عائشة: فقلت: أرغم الله أنفك، لم تفعل ما أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من العناء.