الحديث رقم 118
نص الحلقة
في كتاب الجنائز، أخرج البخاري ومسلم عن أم عطية رضي الله عنها قالت: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع البيعة ألا ننوح، فما وفت منا امرأة إلا خمس: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى. وأخرج مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب. وأخرج مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما مات أبو سلمة قلت: غريب وفي أرض غربة، لأبكينه بكاءً يتحدث عنه، فكنت قد تهيأت للبكاء عليه، إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتًا أخرجه الله منه مرتين؟ فكففت عن البكاء فلم أبكِ. الصعيد هو المرتفع من الأرض، وقيل: المستوي، وقيل: وجه الأرض، وقيل: ما لم يخالطه رمل ولا سبخة، كذا في لسان العرب. والمراد به هنا عوالي المدينة، وقولها: تسعدني أي تساعدني في البكاء والنوح، يسمونه إسعادًا. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من نبي يمرض إلا خُيِّر بين الدنيا والآخرة، وكان في شكواه الذي قُبض فيه أخذته بحة شديدة. فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ. قَالَتْ: وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلْبَةٌ، شَكَّ الرَّاوِي، فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ. ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ، فَمَالَتْ يَدُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِلْبُخَارِيِّ قَالَتْ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّهُ لَبَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي، فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. سَبَقَ الْحَدِيثُ فِي كِتَابِ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْحَاقِنَةُ هِيَ الْوَهْدَةُ الْمُنْخَفِضَةُ بَيْنَ التَّرْقُوَتَيْنِ مِنَ الْحَلْقِ، وَالذَّاقِنَةُ الذَّقَنُ، وَقِيلَ طَرَفُ الْحُلْقُومِ، وَقِيلَ مَا يَنَالُهُ الذَّقَنُ مِنَ الصَّدْرِ. وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ. قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ. وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرًا مَنْبُوذًا. فقالوا: هذا دفن أو دفنت البارحة. قال: أفلا آذنتموني؟ قالوا: دفناه في ظلمة الليل، وكرهنا أن نوقظك. فقام فصففنا خلفه. قال ابن عباس وأنا فيهم، فصلى عليه وكبر أربعا. وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه. المشاقص جمع مشقص، وهو نصل السهم، أي حديدته، إذا كانت طويلة غير عريضة. وقيل هو سهم له نصل عريض. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال: وجبت. ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرا، أو قال غير ذلك، فقال: وجبت. فقيل: يا رسول الله، قلت لهذا وجبت ولهذا وجبت؟ قال: شهادة القوم، المؤمنون، شهداء الله في الأرض. وفي رواية قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا، وذكر نحوه. فقال عمر: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض. هذا لفظ البخاري. ولمسلم قال: مر بجنازة فأثني عليها خير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت، وجبت، وجبت. ومر بجنازة فأثني عليها شر، فقال النبي الله صلى الله عليه وسلم: وجبت، وجبت، وجبت. فقال عمر: فدى لك أبي وأمي. مُرَّ بجنازةٍ فأُثني عليها خيرٌ، فقلت: وجبت، وجبت، وجبت. ومُرَّ بجنازةٍ فأُثني عليها شرٌّ، فقلت: وجبت، وجبت، وجبت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض. وأخرج البخاري عن أبي الأسود الدؤلي قال: أتيت المدينة وقد وقع بها مرض، والناس يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر بن الخطاب فمرت جنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال عمر: وجبت. ثم مر بأخرى فأثنوا عليها خيرًا، فقال: وجبت. ثم مر بالثالثة فأُثني على صاحبها شرٌّ، فقال: وجبت. فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة. فقلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة. فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان. ثم لم نسأله عن الواحد. قوله: موتًا ذريعًا، أي سريعًا أو واسعًا. وقوله: أُثني عليها خير، وأُثني عليها شر، رُوي برفع خير وشر وبنصبهما في الحديثين، وكلاهما صحيح. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله. ولمسلم قال: ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله، من قُتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: إن شهداء أمتي إذًا لقليل. قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: من قُتل في سبيل الله فهو شهيد. ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد. المطعون الذي يموت بالطاعون، والمبطون الذي يموت بداء البطن، والهدم بالتحريك البناء المهدوم، وبالسكون الفعل نفسه. قال النووي: قال العلماء: المراد بشهادة هؤلاء كلهم غير المقتول في سبيل الله أن لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فيغسلون ويصلى عليهم. وأخرج مالك والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان، والطبراني في الكبير، والبيهقي في السنن، والبغوي بسند حسن، عن جابر بن عتيك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غلب عليه، فصاح به فلم يجبه، فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: غلبنا عليك يا أبا الربيع، فصاح النساء وبكين، فجعل ابن عتيك يسكنهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهن، فإذا وجب فلا تبكين باكية. قالوا: يا رسول الله، وما وجب؟ قال: إذا مات. فقالت ابنته: والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدًا، فإنك كنت قد قضيت جهازك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته، وما تعدون الشهادة؟ قالوا: القتل في سبيل الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شهداءكم إذًا لقليل، الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله. المطعون شهيد، والحريق شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيدة. الهدم كما تقدم بالفتح البناء المهدوم، وهو أيضًا ما تهدم من نواحي البئر فسقط فيها. قوله تموت بجمع، أي تموت وفي بطنها ولد. قال ابن الأثير: وقيل التي تموت بكرًا، والجمع بالضم بمعنى المجموع، كالذخر بمعنى المخزون، وقد تكسر جيم وتفتح، والمعنى أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة.