الحديث رقم 37
نص الحلقة
في باب رواية الحديث النبوي وكتابته، أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. قوله: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجيز التحدث بالكذب، فالمراد حدثوا عنهم بما لا تعلمون كذبه، قاله مالك والشافعي رضي الله عنهما. وأخرج البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. وأخرج البخاري عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لأبي ما لي لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان؟ قال: أما إني لم أفارقه منذ أسلمت، ولكنني سمعته يقول: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه والترمذي وابن حبان والطبراني في الكبير بسند حسن عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين. وفي رواية: من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين. ليس في هذه الرواية قوله: عني، وفي أخرى: فهو أحد الكذابين بدل الكاذبين في الموضعين. والكاذبين ضُبِطَت بالتثنية والجمع، وكذلك الكذابين ضُبِطَت بهما. والحديث رواه مسلم أيضًا، لكنه رواه في المقدمة، مقدمة الصحيح، وليس في الصحيح نفسه. باب كراهة كثرة السؤال. أخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه في المسألة، فخرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر، فقام على المنبر فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورًا عظامًا، ثم قال: من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا. فأكثر الناس البكاء، وأكثر أن يقول: سلوا. فجعلت أنظر يمينًا وشمالًا، فإذا كل رجل لافّ رأسه في ثوبه يبكي. فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: النار. فقام عبد الله بن حذافة السهمي، وكان إذا لاحى يُدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله، من أبي؟ قال: أبوك حذافة. ثم أكثر أن يقول: سلوني. فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد الرسول، نعوذ بالله من الفتن. فسكت. ثم قال: أولى، والذي نفس محمد بيده، لقد عُرضت عليَّ الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشر. أولى كلمة تهديد ووعيد، ومعناها قارب كما تكره، وقيل تلهف وتحسر. ومنه قوله تعالى: أولى لك فأولى. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كرهها، فلما أُكثر عليه غضب، ثم قال للناس: سلوني عما شئتم. فقال رجل: من أبي؟ قال: أبوك حذافة. فقام آخر فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: أبوك سالم مولى شيبة. فلما رأى عمر بن الخطاب ما في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغضب قال: يا رسول الله، إنا نتوب إلى الله عز وجل. وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات وقرأت إلى قوله وما يذكر إلا أولو الألباب، فقال: فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم. قال ابن حجر: قيل المحكم من القرآن ما وضح معناه، والمتشابه نقيضه. وقيل المحكم ما عُرف المراد منه بالظهور أو التأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة، وخروج الدجال، والحروف المقطعة. وقال القاري في مرقاة المفاتيح: قال في شرح السنة: اتفق علماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدال في الصفات، وعلى الخوض في علم الكلام وتعلمه. قال مالك: إياكم والبدع. قيل: وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون، ولو كان الكلام علماً لتكلموا فيه كما تكلموا في الأحكام. وسئل سفيان الثوري عن الكلام فقال: دع الباطل، اتبع السنة ودع البدع. وقال: عليكم بما عليه الجمالون والنساء في البيوت والصبيان في الكتاتيب من الإقرار والعمل. وقال الشافعي: لأن يبتلى الرجل بما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير من أن يبتلى بالكلام. وقال مرة أخرى: لأن ألقى الله بكل ذنب ما خلا الشرك بالله أهون من أن ألقاه بمسألة في علم الكلام. وقال: رأيي وحكمي في أهله أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في الأسواق أو في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة واشتغل بالكلام. وأخرج البخاري عن أنس قال: كنت عند عمر فسمعته يقول: نهينا عن التكلف. أخرجه البخاري في باب ما يكره من كثرة السؤال. وأخرج أبو نعيم في المستخرج أن عمر قرأ. قوله وفاكهةً وأبًّا، فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأب؟ ثم قال: مه، نُهينا عن التكلف. وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: هجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعرف في وجهه الغضب، فقال: إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب. قوله هجرت: التهجير التبكير والمبادرة إلى كل شيء، ويجوز أن يكون من المضي في الهاجرة، وهي شدة الحر نصف النهار.