الحديث رقم 40

كتاب العلم · المدة 9:02 · المقطع 5 من 7

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع. أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو إبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونهانا عن تختم بالذهب. وفي رواية عن خاتم الذهب، وعن شرب بالفضة أو قال آنية الفضة. زاد في رواية: فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة. وفي رواية: وعن المياثر الحمر، وعن القسي، وعن لبس الحرير، والاستبرق، والديباج. وفي رواية لمسلم: وعن شدائد الضالة بدل إبرار المقسم. وفي أخرى له: رد السلام بدل إفشاء السلام. والمقسم هو الحالف، وإبراره إنفاذ قسمه. والمياثر جمع مئثرة، وهي وطاء من حرير تجعل على السروج والرحال. والقسي ثياب من كتان مخلوط بحرير، وقيل هو من القز بالزاي، وهو رديء الحرير. والاستبرق ما غلظ من الحرير. والديباج ضرب من الثياب مدبجة بالحرير أي مزينة به. وإنشاد الضالة تعريفها، وهو مأمور به كما سيأتي في باب اللقطة. وقد فصل النووي رحمه الله في شرحه لمسلم هذه الأوامر والنواهي فرضها ونفلها وعينها وكفايتها والخلاف فيها والإجماع، رحمه الله وجميع علماء المسلمين. وأخرج البخاري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا، حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته. وفي أخرى قال: سأل ميمون بن سياه أنس بن مالك، قال: يا أبا حمزة، ما يحرم دم العبد وماله؟ قال: من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم. قوله إلا بحقها، أي لا يحل أخذها إلا بحق شرعي فرضه الله، كالقصاص والحدود والزكاة والجزية وسائر الحقوق الشرعية في الدماء والأموال. وقوله لا تخفر الله، يقال: خفرت الرجل، أي أجرته وحفظته، وكنت له خفيرًا حافظًا، وأخفرته، أي نقضت عهده وذمته. والهمزة فيها للإزالة، أي أزلت خفارته، وهو المنهي عنه في الحديث. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أخبروني بشجرة شبه أو كالرجل المسلم، لا يتحات ورقها ولا ولا ولا. وتؤتى أكلها كل حين، فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النخلة. فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تتكلم؟ فقال: لم أركم تتكلمون فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا. فقال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا. وفي رواية قال: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي. فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر وأبي موسى رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حمل علينا السلاح فليس منا. ولمسلم عن سلمة بن الأكوع قال: من سل علينا السيف فليس منا. وأخرج الشيخان عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر. قوله فسوق: أصل الفسق في اللغة الخروج، والعرب تقول إذا خرجت الرطبة من قشرها قد فسقت الرطبة من قشرها، وفي الشرع هو الخروج عن طاعة الله ورسوله، ولذا سمي العاصي فاسقًا؛ لأنه خرج عن طاعة الله. قال الحافظ في فتح الباري: وهو في عرف الشرع أشد من العصيان. قال الله تعالى: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ. ففي الحديث تعظيم حق المسلم، والحكم على من سبه بغير حق بالفسق. وقوله: قتاله كفر، لا متمسك فيه للخوارج الذين يكفرون بالمعاصي؛ لأن ظاهره غير مراد، لكن لما كان القتال أشد من السباب عبر عنه بلفظ أشد من لفظ الفسق، وهو الكفر، ولم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة، بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير، معتمداً على ما تقرر من القواعد أن مثل ذلك لا يخرج عن الملة، مثل حديث الشفاعة، ومثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، أو أطلق عليه الكفر لشبهه به؛ لأن قتال المؤمن من شأن الكافر. ومثل هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فدل على أن بعض الأعمال يطلق عليه الكفر تغليظاً. وأخرج البخاري ومسلم عن الأحنف بن قيس قال: خرجت أنا أريد هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد يا أحنف؟ قلت: أريد نصر ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: يا أحنف ارجع، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. فقلت: أو قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه قد أراد قتل صاحبه. وفي رواية: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. وفي أخرى: إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعا. نهى أبو بكرة الأحنف هنا، وسيأتي في باب أئمة الجور امتناعه عن اللحاق بأصحاب الجمل، وسيأتي في كتاب الفتن امتناعه حتى من الدفاع عن نفسه أمام جيش خارجة بن قدامة؛ لأنه رضي الله عنه يرى الكف تماما عن قتال المسلمين، وفاقا لسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر وأسامة بن زيد وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين. وأخرج البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما. قال ابن عمر: إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك أو ليقبض بكفه على نصالها، أن يصيب أحدا من المسلمين منها شيء. وفي رواية: إذا مر أحدكم في مجلس أو سوق وبيده نبل فليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها. قال أبو موسى: والله ما متنا حتى سددنا بعضها في وجوه بعض. نصالها، وفي لفظ: نصولها، جمع نصل، والنصل حديدة السهم وحديدة الرمح. وقوله سددنا بعضها، سدد السهم إلى الهدف صوبه نحوه ووجهه إليه.