الحديث رقم 59
نص الحلقة
باب أسباب الوضوء ونواقضه. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ. فقال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: أقيمت الصلاة، ورجل يناجي النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه، ثم قام فصلى بهم. ولمسلم قال: أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يناجيه حتى نام القوم أو بعض القوم، ثم صلوا. وفي أخرى له قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون. أخرجه مسلم في باب الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، وفيه جواز الكلام بعد الإقامة وقبل الإحرام، وهو مذهب الجمهور. وأخرج مسلم عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: دخل ابن عمر على ابن عامر وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول، وقد كنت على البصرة. قوله: كنت على البصرة، أي كنت والياً عليها، فلا تسلم من التبعات، ولا يقبل الدعاء لمن كان كذلك. والظاهر أن ابن عمر أراد حثه على التوبة والإقلاع عن المخالفات، وإلا فالدعاء للعصاة والفساق والكفار جائز بالاتفاق. وأخرج مسلم عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه. أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه. فقال: عمدًا صنعته يا عمر. ورواه عنه الترمذي والنسائي ولفظه: قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: فعلت شيئًا لم تكن تفعله. فقال: عمدًا فعلته يا عمر. وأخرج البخاري عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة. قيل له: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث. أخرجه البخاري في باب الوضوء من غير حدث. وفيه وفي سابقه بيان قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية، وأن الأمر في حق المحدثين على الوجوب، وفي حق غيرهم على الندب. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن زيد قال: شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يُخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة. قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا. وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ. قال أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال نعم فتوضأ من لحوم الإبل. قال أصلي في مرابض الغنم؟ قال نعم. قال أصلي في مبارك الإبل؟ قال لا. وأخرج مالك وأحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان بسند صحيح عن بسرة بنت صفوان رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ. الجمهور على وجوب الوضوء من مس الذكر، وإليه ذهب الشافعي وأحمد، وطائفة لا يرون مسه ناقضًا، وإليه ذهب أبو حنيفة، وذهب مالك إلى أن الوضوء من مسه مستحب لا واجب. وأخرج مسلم عن أبي هريرة وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: توضؤوا مما مست النار، والحديث منسوخ كما سيأتي. وأخرج البخاري ومسلم عن عمرو بن أمية رضي الله عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتز من كتف شاة في يده فدعي إلى الصلاة فألقى السكين التي يحتز بها ثم قام فصلى ولم يتوضأ. وأخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة وصلى ولم يتوضأ. وللبخاري أنه انتشل عرقًا من قدر، وفي أخرى له: تعرق النبي صلى الله عليه وسلم كتفًا، ولمسلم أنه أكل عرقًا أو لحمًا ثم صلى ولم يتوضأ ولم يمس ماءً. العرق العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم، وجمعه عراق، ويقال عرق العظم واعترقه وتعرقه، أي أخذ عنه اللحم بأسنانه. وأخرج مسلم عن أبي رافع رضي الله عنه قال: أشهد لقد كنت أشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطن شاة ثم صلى ولم يتوضأ. وأخرج البخاري عن سويد بن النعمان قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء وهي من أدنى خيبر صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر، فلما صلى دعا بالأطعمة، فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري وأكل وأكلنا منه، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ثم صلى ولم يتوضأ. السويق هو القمح أو الشعير المقلي بالمقلاة ثم يطحن، وقوله ثري أي بُلَّ بالماء ليكون لينًا. وأخرج البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه قال: كنت رجلاً مذاءً، فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ. باب المسح على الخفين. أخرج مسلم عن شريح بن هانئ أنهم سألوا عليًا عن المسح على الخفين، فقال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم. وأخرج الشافعي وأحمد وابن ماجه والنسائي والترمذي وابن خزيمة والدارقطني والطبراني في الكبير والبيهقي في السنن بسند حسن عن صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، ويومًا وليلة للمقيم. إلا من جنابة، ولكن من بول وغائط ونوم. وفي رواية قال: رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن. وأخرج البخاري ومسلم عن همام بن الحارث قال: رأيت جرير بن عبد الله بال ثم توضأ ومسح على خفيه ثم قام فصلى، فسئل فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل هذا. وأخرج مسلم عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه. وفي رواية عن بلال بن رباح رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار. وأخرج البخاري عن عمرو بن أمية رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على عمامته وخفيه. المسح على العمامة وحدها لا يجزئ عند جمهور العلماء، إنما يكمل بها بعد مسح الناصية، كما في حديث المغيرة السابق، ومن أجاز الاكتفاء بمسحها شرط أن يكون نزعها شاقا كنزع الخفين، وذلك بأن تكون محنكة، وقد بين ذلك ابن حجر رحمه الله في حديثه عن هذا الحديث في فتح الباري. وأخرج أحمد والدارمي وأبو داود والبزار والنسائي والدارقطني والبيهقي في السنن بسند حسن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح أعلاه. وفي رواية يمسح على ظاهر خفيه، وفي أخرى قال: كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهرهما.