الحديث رقم 62
نص الحلقة
أخرج البخاري ومسلم عن شقيق بن سلمة الأسدي قال: كنت جالسًا مع عبد الله بن مسعود وأبي موسى، فقال أبو موسى: أرأيت يا أبا عبد الرحمن لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرًا، كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرًا. فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة: فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا؟ فقال عبد الله: لو رُخِّص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد. قلت: وإنما كرهتم هذا لذا؟ قال: نعم. فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: إنما يكفيك أن تصنع هكذا، وضرب بكفيه ضربة على الأرض ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه. وعند مسلم: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه إلى الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه. فقال عبد الله: أوَلم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟ قال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، فكيف تصنع بهذه الآية؟ فما درى عبد الله ما يقول. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بيديه الأرض، فنفض يديه، فمسح وجهه وكفيه. وفي أخرى لهما عن عبد الرحمن بن أبزى أن رجلاً أتى عمر، فقال: إني أجنبت ولم أجد ماءً. فقال: لا تصل. فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأصابتنا جنابة فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك. فقال عمر: اتق الله يا عمار. فقال: إن شئت لم أحدث بهذا. فقال عمر: نوليك ما توليت. معنى قول عمر: اتق الله يا عمار، أي تثبت، فلعلك نسيت أو اشتبه عليك، فإني كنت معك ولا أتذكر شيئاً من هذا. ومعنى قول عمار: إن شئت لم أحدث به، أي إن رأيت المصلحة في ترك الحديث به وافقتك، فإني قد بلغته فلم يبق علي حرج. فقال له عمر: نوليك ما توليت، أي لا يلزم من كوني لا أتذكره ألا يكون حقاً، فليس لمنعك من التحديث به. قاله النووي ونقله عنه ابن حجر، رحمهم الله جميعاً علماء المسلمين. وأخرج البخاري ومسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: يا فلان، ما منعك أن تصلي مع القوم؟ قال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء. فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك. وقد سبق الحديث بطوله في باب ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب الحيض. أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة من الأنصار سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، ثم قال: خذي فرصة من مسك. فتطهري بها، والفرصة هي القطعة من الصوف أو القطن أو الخرقة، والممسكة المطيبة بالمسك. قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: سبحان الله، تطهري بها. قالت عائشة: فاجتذبتها إليَّ فقلت: تتبعي بها أثر الدم. وفي رواية: آثار الدم. ومن الرواة من قال فيه: خذي فرصة ممسكة فتوضئي بها ثلاثًا، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استحيا وأعرض بوجهه، وقال: توضئي بها. قالت: فأخذتها فاجتذبتها فأخبرتها بما يريد النبي صلى الله عليه وسلم. ولمسلم أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض، فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر، فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليه الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها. فقالت أسماء: فكيف تطهر بها؟ قال: سبحان الله، تطهري بها. قالت عائشة: كأنها تخفي ذلك، تتبعين بها أثر الدم. وسألته عن غسل الجنابة، فقال: تأخذ ماءً فتطهر، فتحسن الطهور، أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى يبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء. فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. قولها: تتبعي بها أثر الدم، قال جمهور العلماء: تعني به الفرج. قوله: وسدرتها، المراد به ورق السدر الذي يستعمل في الغسل. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عِرْق، فاغتسلي وصلي. فكانت تغتسل لكل صلاة. قالت عائشة: فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش حتى تعلو حمرة الدم الماء. ولمسلم: قال لها امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي. فكانت تغتسل عند كل صلاة. قال الليث بن سعد: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي. المركن وعاء تُغسل فيه الثياب، ويقال له مخضب وإجانة. وأخرج الشيخان عن عائشة قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عِرْق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي. وفي رواية: فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي. وفي أخرى: ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي. وأخرج مالك وابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي والطبراني في الكبير والدارقطني والبيهقي في السنن بسند صحيح عن أم سلمة رضي الله عنها أن امرأة كانت تهراق الدماء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتت لها أم سلمة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل. تستثفر أي تشد فرجها بخرقة عريضة تحشوها قطناً، وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها فتمنع بذلك سيل الدم، وهو مأخوذ من ثفر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها. واستثفر الرجل أي أدخل ثوبه بين رجليه كما يفعل الكلب بذنبه. قال في عون المعبود: قال الإمام الخطابي: هذا حكم المرأة يكون لها من الشهر أيام معلومة تحيضها في أيام الصحة قبل حدوث العلة، ثم تستحاض فتهريق الدم ويستمر بها السيلان، أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدع الصلاة من الشهر قدر الأيام التي كانت تحيض قبل أن يصيبها ما أصابها، فإذا استوفت عدد تلك الأيام اغتسلت مرة واحدة. وحكمها حكم الطواهر في وجوب الصلاة والصوم وجواز الطواف إذا حجت وغشيان الزوج إياها، إلا أنها إذا أرادت أن تصلي توضأت لكل صلاة؛ لأن طهارتها ضرورة، فلا يجوز أن تصلي صلاتي فرض كالمتيمم.