الحديث رقم 124
نص الحلقة
أخرج البخاري ومسلم عن الأحنف بن قيس قال: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، فقام عليهم فقال: بشر الكانزين برضف يُحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه، يتزلزل. فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحدًا منهم رجع إليه شيئًا، فأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم. فقال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا. إن خليلي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم دعاني فأجبته، فقال: أترى أحدًا؟ فنظرت ما علي من الشمس وأنا أظن أنه يبعثني في حاجة له، فقلت: أراه. فقال: ما يسرني أن لي مثله ذهبًا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير، ثم هؤلاء يجمعون الدنيا لا يعقلون شيئًا. قال: قلت: ما لك ولإخوانك من قريش؟ لا تعتريهم وتصيب منهم. قال: لا وربك، لا أسألهم عن دنيا ولا أستفتيهم عن دين حتى ألحق بالله ورسوله. هذا لفظ مسلم، وهو عند البخاري بمعناه. ولمسلم أن الأحنف قال: كنت في نفر من قريش فمر أبو ذر وهو يقول: بشر الكانزين بكيٍّ في ظهورهم يخرج من جنوبهم، وبكيٍّ من قبل أقفائهم يخرج من جباههم، ثم تنحى فقعد. فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبو ذر. قال: فقمت إليه، فقلت: ما شيء سمعتك تقول: قبيل؟ قال: ما قلت إلا شيئًا سمعته من نبيهم صلى الله عليه وسلم. قال: قلت: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه، فإن فيه اليوم معونة، فإذا كان ثمنًا لدينك فدعه. وفي رواية له قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة عشاءً ونحن ننظر إلى أُحد، فقال: يا أبا ذر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: ما أحب أن أُحدًا ذاك عندي ذهب، أمسى ثالثة عندي منه دينار، إلا دينارًا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا، حثا بين يديه، وهكذا عن يمينه، وهكذا عن شماله. ثم مشينا، فقال: يا أبا ذر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا، مثل ما صنع في المرة الأولى. الرَّضْفُ جمع رَضْفَة، كتمرة وتمر، وهي حجارة محماة، ونغض الكتف أعلاه، أو العظم الرقيق بأعلاه. وقوله: تعتريهم، أي تقصدهم وتطلب صلتهم. وقوله: أرصده لدين، أي أعده له. وقوله: نظرت ما علي من الشمس، أي كم بقي لي من النهار. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال. قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الصدقة خير أو أفضل؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما نقص مال من صدقة، أو ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع عبد لله إلا رفعه الله. وأخرج البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه. قال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جنتان أو جبتان من حديد من ثدييهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها ولا تتتسع. وفي رواية: فيجهد أن يوسعها فلا يستطيع. الجبة بالباء لباس معروف، ويقال لها الفروة، وبالنون هي الوقاية، وقوله: تعفو أثره أي تستر أثره. ومعناه أن الصدقة تستر خطاياه كما يغطي الثوب الذي يجر على الأرض أثر صاحبه. وقيل المراد أن الله يستر المنفق في الدنيا والآخرة. وأخرج مسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: جاء رجل بناقة مخطومة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة. وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب بسند حسن عن خريم بن فاتك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبعمائة ضعف. قال القرطبي في قول الله تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وقوله: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء، قال بعض العلماء: العشر لسائر الحسنات، والسبعمائة للنفقة في سبيل الله، لحديث خريم بن فاتك عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: وأما حسنة بعشر فمن عمل حسنة فله عشر أمثالها، وأما حسنة بسبعمائة فالنفقة في سبيل الله. قال: وقوله والله يضاعف لمن يشاء إعلام بأن الله تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف. وأخرج مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: بينما نحن في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم. إذ جاء رجل على راحلة له، فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له. وذكر من أصناف المال ما ذكره حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. قوله: ظهر، أي مركوب. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة. وأخرج الشيخان عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا مراء، وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا إن الله لغني عن صاع هذا. وفي رواية: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياءً. فنزلت: الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم الآية. وفي أخرى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرنا بالصدقة... انطلق أحدنا إلى السوق فيحامل فيصيب المد، وإن لبعضهم اليوم لمئة ألف. زاد في رواية كأنه يعرض بنفسه، رضي الله عنه. قوله نحامل أي نحمل على ظهورنا لغيرنا. وسيأتي في قصة توبة كعب بن مالك أن الذي جاء بصاع فلمزه المنافقون هو أبو خيثمة الأنصاري، ولا مانع من أنهم لمزوا الرجلين، نعوذ بالله.