الحديث رقم 131
نص الحلقة
أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله، فقال: إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها. فقال رجل: أوَيَأْتِي الخير بالشر يا رسول الله؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ما شأنك تكلم رسول الله ولا يكلمك؟ قال: وظننا أنه يوحى إليه، وسكت الناس كأن على رؤوسهم الطير، فأفاق يمسح عنه الرحضاء، أي العرق الكثير، وقال: أين هذا السائل؟ وكأنه حمده، فقال: إنه لا يأتي الخير بالشر. وفي رواية فقال: أين السائل آنفًا؟ أوَخير هو؟ ثلاثًا، إن الخير لا يأتي إلا بالخير، وإن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطًا أو يلم، إلا آكلة الخضر، فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت، وإن هذا المال خاضر حلو، ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة. وفي رواية قال: إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا. قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال: بركات الأرض، وذكر الحديث. وفي آخره قال: فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع. وقوله: يقتل حبطًا أو يلم، يقال: حبط بطنه إذا انتفخ فهلك، ويلم: أي يقرب، أي يقتل حبطًا بالتخمة لكثرة الأكل أو يقارب القتل. والخضر واحدةها خضرة، ضروب من النبات ليس من جيدها، لا تستكثر منه الدواب، وإنما ترعاه لعدم غيره. وقوله: ثلط، يقال: ثلط البعير إذا ألقى رجيعه سهلًا رقيقًا. كتاب الصيام، باب فضل الصيام والترغيب فيه. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي. للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك. وفي رواية: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به. الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم. والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه. وللبخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربكم قال: لكل عمل كفارة، والصوم لي وأنا أجزي به. ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. قال الحافظ ابن الأثير رحمه الله: قوله الصوم لي وأنا أجزي به، إنما خص الصوم والجزاء عليه بنفسه عز وجل، وإن كانت العبادات كلها له؛ لأن كل ما سوى الصوم من العبادات قد عبد المشركون بها آلهتهم، ولم يُسمع أن طائفة عبدت آلهتها بالصوم، فذلك قوله: الصوم لي، أي لم يشاركني فيه أحد، ولا عُبد به غيري. وقال ابن حجر: واتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولًا وفعلًا، والرفث يطلق على الكلام الفاحش، وعلى الجماع ومقدماته، والمراد هنا الكلام الفاحش، والصخب الضجة والجلبة. وأخرج الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا. قوله سبعين خريفًا، أي سبعين سنة، كما تقول جمعة أو جمعتين بمعنى أسبوع أو أسبوعين. وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجنة بابًا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق، فلم يدخل منه أحد. وفي رواية: إن في الجنة ثمانية أبواب، منها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه. باب أحكام الصيام وآدابه. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل رمضان فُتحت أبواب السماء، وأُغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين. وفي رواية: إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة، وفي أخرى: فُتحت أبواب الرحمة. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له. وفي رواية قال: الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين. وفي أخرى الشهر كذا وكذا وكذا، وصفق بيديه مرتين بكل أصابعهما، ونقص في الصفقة الثالثة إبهام اليمنى أو اليسرى. وفي أخرى قال: إن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعًا وعشرين ومرة ثلاثين. وفي أخرى الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا، يعني تمام الثلاثين. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة. وفي رواية: فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه. قال ابن حجر: قال العلماء: معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان، قيل لأن الحكم علق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم. ومعنى الاستثناء أن من كان له وِرد كمن يصوم الاثنين أو يصوم يومًا ويفطر يومًا فقد أذن له، وليس ذلك من استقبال رمضان، ويلتحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما. قال بعض العلماء: يستثنى القضاء والنذر بالأدلة القطعية. فَلَا يُبْطِلُ قَطْعِيٌّ بِالظَّنِّ.