الحديث رقم 128
نص الحلقة
في باب الترغيب في الصدقة والإنفاق على الأقارب، أخرج مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار. قالت امرأة منهن جزلة: ما لنا أكثر أهل النار؟ قالت: تكثرن اللعن وتكفرن العشير. ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن. قالت: ما نقصان العقل والدين؟ قال: شهادة امرأتين بشهادة رجل، وتمكث الأيام لا تصلي. قوله جزلة: الجزلة هي التامة الخلق، أو ذات كلام جزل، أي قوي شديد. والعشير هو المعاشر، وحمله الأكثرون على الزوج، وكفرهن إياه جحودهن إحسانه إليهن. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على القول بظاهر هذه الآية: فرجل وامرأتان، فأجازوا شهادة النساء مع الرجال، وخص الجمهور ذلك بالديون والأموال، وقالوا: لا تجوز شهادتهن في الحدود والقصاص، واختلفوا في النكاح والطلاق والنسب والولاء، فمنعها الجمهور وأجازها الكوفيون. قالوا: اتفقوا على قبول شهادتهن منفردات فيما لا يطلع عليه الرجال، كالحيض والولادة والاستهلال وعيوب النساء، واختلفوا في الرضاع. وقال أبو عبيد: اتفاقهم على جواز شهادتهن في الأموال للآية المذكورة، واتفاقهم على منعها في الحدود والقصاص لقوله تعالى: ثم لم يأتوا بأربعة شهداء. وأما اختلافهم في النكاح ونحوه، فمن ألحقها بالأموال فذلك لما فيها من المهور والنفقات، ومن ألحقها بالحدود استحلال الفروج وتحريمها بها. قال: وهذا هو المختار، ويؤيد ذلك قوله: وأشهدوا ذوي عدل منكم، وقال القرطبي في قوله: أربعة منكم، ولا بد أن يكون الشهود ذكورًا، ولا خلاف فيه بين الأمة، وكذا قوله: ذوي عدل منكم. قال المهلب: ويستنبط منه التفاضل بين الشهود بقدر عقلهم وضبطهم، فتقدم شهادة الفطن اليقظ على الصالح البليد. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما جعل الله عز وجل الشهود أربعة سترًا ستركم به دون فواحشكم. وعلل بعض العلماء رد شهادتهن في الحدود بما رواه الترمذي وغيره عن عائشة: ادرؤوا الحدود ما استطعتم. وأجمع فقهاء الأمصار على أن الحدود تدرأ بالشبهات، وثبت قوله صلى الله عليه وسلم لماعز: لعلك قبلت، لعلك غمزت، يلقنه. وكذا قال علي لشراحة: لعله استكرهك، لعله وقع عليك وأنت نائمة. ومعلوم أن هذه الاستفسارات احتيال لدرء الحد، وكانت بعد ثبوته؛ لأنها بعد صريح الإقرار. وقوله: نقصان دينها تمكث الأيام لا تصلي، أي أنه نقص في العمل لا في الثواب. وفيه أن الإيمان قول وعمل، وأن الأعمال الصالحة من الإيمان ومن الدين، وفيه أنها مع نقصان عقلها تذهب بعقل الرجل اللبيب. وأخرج البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما. قالت قلت يا رسول الله، ما لي مال إلا ما أدخل علي الزبير، أفأتصدق؟ قال: تصدقي ولا توعي فيوعي الله عليك. وفي رواية قالت: يا رسول الله، ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير، فهل علي جناح أن أرضخ مما يدخل علي؟ قال: ارضخي ما استطعت. وفي أخرى قالت: قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك. الرضخ عطاء قليل غير محدد، وقوله توعي أي تمسكي في الوعاء كناية عن الشح، والنهي عن الإحصاء والإيعاء في حال الإنفاق؛ لأنه شح وضعف توكل، وعكسه في حال البيع؛ لأنه حق المتبايعين. كما سيأتي إن شاء الله في كتاب البيوع حديث المقداد: كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، فلها أجرها بما أنفقت، وللزوج بما اكتسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا. وأخرج مسلم عن عمير مولى آبي اللحم قال: كنت مملوكًا، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أأتصدق من مالي موالي بشيء؟ قال: نعم، والأجر بينكما نصفان. وفي رواية قال: أمرني مولاي أن أقدد لحمًا، فجاءني مسكين فأطعمته منه، فعلم بذلك مولاي فضربني، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له. فَدَعَاهُ، فَقَالَ: لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ قال: يعطي طعامي بغير أن آمره. فقال: الأجر بينكما. آبُ اللحم هو عبد الله الغفاري رضي الله عنه، وقيل اسمه خلف، وقيل الحويرث، لُقِّب آبَ اللحم؛ لأنه حرم اللحم على نفسه مطلقًا، وقيل حرم ما ذُبح للأصنام. وقوله: أُقَدِّدُ لحمًا من القدِّ، وهو الشق طولًا، ويسمى ذلك اللحم قديدًا، أي مقددًا، فعيل بمعنى مفعول. وأخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه. هذه رواية البخاري، ولمسلم قال: مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه فيأكله. قال قتادة: ولا نعلم القيء إلا حرامًا. قوله: ليس لنا مثل السوء، أي لا ينبغي لنا أن نتصف بالصفة الذميمة. قال النووي: هذا ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد إقباضهما، وهو محمول على هبة الأجنبي، أما إذا وهب لولده وإن نزل فله الرجوع، كما صرح به في حديث النعمان بن بشير، ويدل على التحريم حديث ابن عباس، يعني الحديث الآتي قريبًا. وأخرج البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: حملت على فرس عتيق في سبيل الله فأضاعه صاحبه، فظننت أنه بائعه برخص، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تشتره. ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه. وفي رواية: فإن الذي يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه. قوله: حملت على فرس عتيق أي تصدقت به، ووهبته لمن يقاتل عليه في سبيل الله، والعتيق الجواد النفيس السابق. وقوله: أضاعه صاحبه أي قصر في القيام بعلفه ومؤونته. قال النووي: ظاهر النهي التحريم، وبه قال جماعة من العلماء. وقال الجمهور: هذا نهي تنزيه لا تحريم، فيكره لمن تصدق بشيء أو أخرجه في زكاة أو كفارة أو نذر أو نحو ذلك من القربات أن يسترده ممن أعطاه إياه بثمن أو بغير ثمن. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده. ومثل الذي يرجع في عطيته أو هبته كالكلب يأكل فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئه.