الحديث رقم 226
نص الحلقة
في كتاب اللباس والزينة، أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي في السنن، والبغوي رحمهم الله جميعًا، بسند حسن، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تنتف الشيب، فإنه ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورًا يوم القيامة. وفي رواية: إلا كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة. وفي أخرى: ورفع بها درجة. النهي في قوله لا تنتف الشيب حمله أكثر العلماء على الكراهة. وتقدم قريبًا حديث أنس: يكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه أو لحيته. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى. وفي رواية: خالفوا المشركين، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب. ولمسلم قال: جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس. وللبخاري: انهكوا الشوارب وأعفوا اللحى. قال: وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته، فما فضل أخذه. قوله: أحفوا الشوارب، أي بالغوا في قصها. ومثله: انهكوا، يقال: نهكت الناقة حلبًا، أنهكها إذا لم تبق في ضرعها لبنًا. وأعفوا اللحى، أي اتركوها حتى تعفو، أي تكثر. قال النووي: وفيها خمس روايات: أعفوا، وأوفوا، وأرخوا، وأرجوا، ووفروا، ومعناها كلها: اتركوها على حالها. هذا هو ظاهر الحديث. وهو الذي قاله جماعة من العلماء، وقال القاضي عياض رحمه الله: يكره حلقها وقصها، أما الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن. قال: وأما الشارب فذهب كثير من السلف إلى استئصاله، لظاهر قوله: أحفوا وانهكوا، وذهب كثير منهم إلى منع الاستئصال، ويذهب هؤلاء إلى أن الإحفاء والجز والقص بمعنى واحد، وهو الأخذ منه حتى يبدو طرف الشفة. وذهب بعض العلماء إلى التخيير بين الأمرين. وتعقبه النووي فقال: المختار ترك اللحية على حالها، وأن لا يتعرض لها بتقصير شيء أصلاً. والمختار في الشارب ترك الاستئصال، والاقتصار على ما يبدو به طرف الشفة، والله أعلم. وقال النووي أيضاً: يُستثنى من الأمر بإعفاء اللحى ما لو نبتت للمرأة لحية، فإنه يُستحب لها حلقها، وكذا لو نبت لها شارب أو عنفقة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير والضياء المقدسي بسند حسن عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من لم يأخذ من شاربه فليس منا. وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال مصعب بن شيبة: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء. البراجم هي مفاصل الأصابع، واحدتها برجمة، بضم الباء والجيم. قال النووي: ويلحق بها كل موضع من الجسم قد يجتمع فيه وسخ. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط. الاستحداد هو استعمال حديدة الموسى لحلق العانة، وهي الشعر النابت حول القبل. قال النووي: قوله الفطرة خمس معناه خمس من الفطرة، كما في الرواية الأخرى عشر من الفطرة، وليست منحصرة في العشر، وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى عدم انحصارها فيها بقوله: من الفطرة. واختلف في المراد بالفطرة هنا، وذهب أكثر العلماء إلى أنها السنة، وقيل هي الدين. ثم إن معظم هذه الخصال ليست بواجبة عند العلماء، وفي بعضها خلاف في وجوبه كالختان والمضمضة والاستنشاق، ولا يمتنع قرن الواجب بغيره، كما قال الله تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، والإيتاء واجب، والأكل ليس بواجب. ثم فصّل القول في ذلك كله رحمه الله رحمة واسعة، وجميع علماء المسلمين. وأخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: وُقِّتَ لنا في قص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، ألا نترك أكثر من أربعين ليلة. وأخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال: سُئل ابن عباس: مثل من أنت حين قُبِض النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أنا يومئذ مختون. قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك. قوله: يدرك أي يبلغ الحلم. قال الحافظ ابن حجر: والمحفوظ الصحيح أنه وُلِد بالشعب، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، فيكون له عند الوفاة النبوية ثلاث عشرة سنة، وبذلك قطع أهل السير، وصححه ابن عبد البر. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع. قال عبيد الله: قلت لنافع: وما القزع؟ قال: يُحلق بعض رأس الصبي ويترك بعض. قيل لعبيد الله: والجارية؟ قال: لا أدري. قال النووي: أجمعوا على كراهيته إذا كان في مواضع متفرقة إلا للمداواة أو نحوها، وهي كراهة تنزيه، ولا فرق بين الرجل والمرأة، وكرهه مالك في الجارية والغلام. وقيل في رواية لهم: لا بأس به في القصة والقفا للغلام والجارية. قال: ومذهبنا كراهته مطلقا. قال ابن حجر: القصة المراد بها هنا شعر الصدغين، والمراد بالقفا شعر القفا. والحاصل منه أن القزع مخصوص بشعر الرأس، وليس شعر الصدغين والقفا من الرأس. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والبيهقي في الشعب والبغوي بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى غلامًا قد حلق بعض رأسه وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك، وقال: احلقوه كله أو اتركوه كله. وفي رواية: احلقوه كله أو ذروه كله. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعد. قال ابن حجر: السدل إرسال شعر الرأس، والفرق قسمته، والمفرق مكان انقسام الشعر من الجبين إلى دارة وسط الرأس، وهو بفتح الميم وبكسرها، وكذلك الراء تكسر وتفتح. قال القرطبي: الصحيح أن الفرق مستحب لا واجب، وهو قول الجمهور، وقد صح أنه كانت له صلى الله عليه وسلم لمة، فإن انفرقت فرقها وإلا تركها. والمنقول عن الصحابة أن منهم من كان يفرق، ومنهم من كان يسدل، ولم يعب بعضهم على بعض، رضي الله عنهم أجمعين.