الحديث رقم 228

كتاب اللباس والزينة · المدة 9:34 · المقطع 9 من 11

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

لم نزل في كتاب اللباس والزينة. أخرج الشيخان رحمهما الله عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية عام حجة على المنبر، وتناول قصة من شعر كانت في يد حراسي، فقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه، ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل، وفي رواية: إنما عذب بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم. وفي رواية ابن المسيب قال: قدم معاوية المدينة فخطبنا، وأخرج كبة من شعر، فقال: ما كنت أرى أحدًا يفعله إلا اليهود، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه فسماه الزور. وفي أخرى عنه أن معاوية قال ذات يوم: إنكم قد أحدثتم زيَّ سوء، وإن نبي الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الزور. قال قتادة: يعني ما تكثر به النساء أشعارهن من الخرق. والقصة هي شعر مقدم الرأس، والكبة شعر مكفوف بعضه على بعض، والحراسي واحد الحرس، وفيه اعتناء ولاة الأمور بإنكار المنكر وتوبيخ من أهمله. وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئًا. هذا الحديث وحديث معاوية قبله حجة للجمهور في منع وصل الشعر بشيء آخر، سواء كان شعرًا أو غيره. وقال كثير من الفقهاء: الممتنع من ذلك وصل الشعر بالشعر. أما وصله بغير الشعر من خرقة وغيرها فلا يدخل في النهي، ومنهم من أجاز الوصل مطلقًا بشعر أو بغيره إذا كان بعلم الزوج وبإذنه، وحديث الباب حجة عليهم، قاله ابن حجر رحمه الله. ثم قال: تنبيه، كما يحرم على المرأة الزيادة في شعر رأسها، يحرم عليها حلق شعر رأسها بغير ضرورة. وقال القاري: لا تحلق المرأة رأسها إلا لضرورة، فإن حلقها مثلة كحلق اللحية للرجل. وأخرج البخاري عن ثمامة بن عبد الله قال: كان أنس لا يرد الطيب، وزعم أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب. وأخرج أبو داود والترمذي في الشمائل، والبزار، والبغوي، والضياء المقدسي رحمهم الله بسند حسن عن أنس رضي الله عنه قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم سكة يتطيب منها. قال ابن حجر: السكة طيب مركب، وقيل: الظاهر أن المراد بها ظرف فيه طيب، ويشعر به قوله: يتطيب منها؛ لأنه لو أراد بها نفس الطيب لقال: يتطيب بها. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من عُرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه طيب الريح خفيف المحمل. الريحان كل نبت مشموم طيب الرائحة. قال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون المراد الطيب كله. وقال ابن حجر: ورد النهي عن رده، أي الطيب، مقرونًا ببيان الحكمة في ذلك في حديث صحيح، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وأبو عوانة وغيرهم، عن أبي هريرة مرفوعًا: من عُرض عليه طيب فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة. وأخرجه مسلم من هذا الوجه، لكن قال: ريحان بدل طيب. ورواية الجماعة أثبت، فإن أحمد وسبعة أنفس معه رووه عن عبد الله بن يزيد المقبري عن سعيد بن أبي أيوب بلفظ الطيب، ووافقه ابن وهب عن سعيد عند ابن حبان، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد. وأخرج مسلم عن نافع قال: كان ابن عمر إذا استجمر، استجمر بالألوة غير مطراة، وبكافور يطرحه مع الألوة، ويقول: هكذا كان يستجمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: يستجمر، أي يتبخر ويتطيب من المجمرة التي يوضع فيها الجمر، والألوة والألوة عود البخور، تفتح همزته وتضم، وقوله: غير مطراة، أي غير مخلوطة بطيب غيرها. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزعفر الرجل، وفي رواية: نهى صلى الله عليه وسلم عن التزعفر، يعني للرجال. أخرجه الجماعة. وقال الترمذي: ومعنى كراهية التزعفر للرجل أن يتطيب به. قال ابن حجر: اختلف في النهي عن التزعفر، هل هو لرائحته لكونه من طيب النساء، ولهذا جاء الزجر عن الخلوق، أو للونه فيلتحق به كل صفرة؟ وقد نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: أنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر، وآمره إذا تزعفر أن يغسله. وسبق قريبًا حديث عبد الله بن عمرو: رأى علي النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين معصفرين، فقال: إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما. فقلت: أغسلهما؟ قال: لا، بل أحرقهما. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب بسند حسن عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيما امرأة استعطرت فمرت على القوم ليجدوا ريحها فهي كذا وكذا. وفي رواية: فهي زانية، وكل عين زانية. قال المباركفوري في مرعاة المفاتيح: هي زانية لأنها هيجت شهوة الرجال بعطرها، وحملتهم على النظر إليها، ومن نظر إليها فقد زنى بعينه، فهي سبب زناه بالعين، فتكون آثمة بإثم الزنا. وقوله: كل عين زانية، أي كل عين نظرت إلى أجنبية عن شهوة فهي زانية؛ لأن زنا العين النظر. باب التصاوير. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة عند الله المصورون. ولمسلم عن مسلم بن صبيح قال: كنت مع مسروق في بيت فيه تماثيل مريم، فقال مسروق: هذا تماثيل كسرى. فقلت: لا، هذا تماثيل مريم. فقال مسروق: أما إني سمعت عبد الله بن مسعود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون. قال النووي: تصوير الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد، وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره، وصنعته حرام بكل حال؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو إناء أو حائط أو غيرها. وأما تصوير الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام، هذا حكم نفس التصوير. وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان، فإن كان معلقًا على حائط أو ثوبًا ملبوسًا أو عمامة ونحو ذلك مما لا يعد ممتهنًا فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام. ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت؟ فيه كلام، ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له. هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقال آخرون يجوز منها ما كان رقماً في ثوب، سواء امتهن أم لا، وأجمعوا على منع ما كان له ظل، ووجوب تغييره. قال القاضي: إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات، والرخصة في ذلك. وادعى بعضهم أن إباحة اللعب لهن بالبنات منسوخ بهذه الأحاديث. وأما قوله أشد الناس عذاباً، فقيل هو محمول على من فعل الصورة لتعبد، وهو صانع الأصنام، وقيل هي فيمن قصد مضاهاة خلق الله تعالى. فأما من لم يقصد بها العبادة ولا المضاهاة، فهو فاسق صاحب ذنب كبير، ولا يكفر كسائر المعاصي.