الحديث رقم 428
نص الحلقة
في كتاب الإمامة والولايات باب الترهيب من سؤال الإمارة. أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحد الرجلين: يا رسول الله، أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل، وقال الآخر مثل ذلك. فقال: إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدًا سأله، ولا أحدًا حرص عليه. وفي رواية قال: أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عيمي والآخر عيساري، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك، فكلاهما سأل، فقال: ما تقول يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس؟ فقلت: والذي بعثك بالحق ما اطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، فقال: لن، أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس، فبعثه على اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل. قوله: فقال: لن، أو لا نستعمل، شك من الراوي. وكذلك قوله: يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس. وقوله: قلصت، أي انزوت وارتفعت. قال النووي: قال العلماء: والحكمة في أنه لا يولى من سأل الولاية أنه يوكل إليها ولا يعان عليها. كما صرح به في حديث عبد الرحمن بن سمرة الآتي، ولأن فيه تهمةً للطالب والحريص. وقال ابن حجر: كان بعث أبي موسى إلى اليمن بعد الرجوع من غزوة تبوك؛ لأنه شهد غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم. واستدل به على أن أبا موسى كان عالمًا فطنًا حاذقًا، ولولا ذلك لم يولِّه النبي صلى الله عليه وسلم الإمارة، ولذلك اعتمد عليه عمر ثم عثمان ثم علي. وأما الخوارج والروافض فطعنوا فيه، ونسبوه إلى الغفلة وعدم الفطنة، لما صدر منه في التحكيم بصفين. قال ابن العربية وغيره: والحق أنه لم يصدر منهما يقتضي وصفه بذلك، وغاية ما وقع منه أن اجتهاده أداه إلى أن يجعل الأمر شورى بين من بقي من أكابر الصحابة من أهل بدر ونحوهم، لما شاهد من الاختلاف الشديد بين الطائفتين بصفين، وآل الأمر إلى ما آل إليه. وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم ستحرصون على الإمارة، وإنها ستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة. وأخرج أحمد والحاكم بسند حسن عن يزيد بن شريك أن الضحاك بن قيس أرسل معه إلى مروان بكسوة، فقال مروان: انظروا من ترون بالباب. قال أبو هريرة فأذن له، فقال: يا أبا هريرة. حدثنا بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سمعته يقول: ليتمنين أقوام ولوا هذا الأمر أنهم خروا من الثريا، وأنهم لم يلوا من هذا الأمر شيئًا. وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها. وفي رواية قال له: يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم. قال النووي: هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات، لا سيما لمن كان فيه ضعف، وأما من كان أهلاً لها وعدلاً فيها فله فضل عظيم. تظاهرت به الأحاديث، كحديث سبعة يظلهم الله، وحديث إن المقسطين على منابر من نور، وغيرهما. ومع هذا، فلكثرة خطرها حذره صلى الله عليه وسلم منها، وامتنع عنها خلائق من السلف، وصبروا على الأذى حين امتنعوا. وأخرج مسلم رحمه الله عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: جئت يوم الجرعة فإذا رجل جالس، فقلت: ليهراقن اليوم هاهنا دماء. فقال ذلك الرجل: كلا والله. فقلت: بلى والله. قال: كلا والله. قلت: بلى والله. قال: كلا والله، إنه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثني، قلت له: بئس الجليس لي أنت منذ اليوم، تسمعني أخالفك، وقد سمعتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تنهاني. ثم قلت: ما هذا الغضب؟ فأقبلت عليه وأسأله، فإذا الرجل حذيفة. الجرعة بفتح الجيم وفتح الراء وإسكانها موضع قرب الكوفة، ويوم الجرعة يوم خرج فيه أهل الكوفة يتلقون واليًا ولاه عليهم عثمان فردوه، وسألوا عثمان أن يولي عليهم أبا موسى الأشعري فولاه. قال النووي: وقع في جميع نسخ بلادنا المعتمدة أخالفك. قال القاضي عياض: ورواية شيوخنا كافة أحالفك من الحلف الذي هو اليمين. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير.