الحديث رقم 429
نص الحلقة
في كتاب الإمامة والولايات العامة، باب طاعة ولي الأمر. أخرج مسلم رحمه الله عن وائل بن حجر قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعوننا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة، فجذبه الأشعث بن قيس وقال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم. وفي رواية: فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم. يسألوننا ويمنعوننا، ضُبطت بتشديد النون وتخفيفها. يسألوننا حقهم أي من الطاعة والخدمة، ويمنعوننا حقنا أي من العدل والعطاء. وأخرج مسلم عن يحيى بن حصين عن جدته أم الحصين قالت: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف، وهو على راحلته، ومعه بلال وأسامة، أحدهما يقود به راحلته، والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم يظله من الشمس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا كثيرًا، ثم سمعته يقول: إن أُمِّر عليكم عبد مجدع، حسبتها قالت: أسود، يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا. وفي رواية: عبداً حبشياً مجدعاً. قوله: عبد مجدع، أي مقطع الأطراف، والجدع القطع من أصل العضو، والمراد أخس العبيد. وقوله: يقودكم بكتاب الله، قال القاضي: أي يسوقكم بالأمر والنهي على ما هو مقتضى كتاب الله وحكمه. وقال النووي: فإن قيل كيف يؤمر بالسمع والطاعة للعبد مع أن شرط الخليفة كونه قرشياً؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أن المراد بعض الولاة الذين يوليهم الخليفة ونوابه، والثاني أن المراد لو قهر عبد مسلم واستولى بالقهر نفذت أحكامه ووجب الطاعة. وأخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله. وفي رواية عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: اسمع وأطع ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة. شبه رأسه بالزبيبة المعروفة لبشاعة الصورة وعدم الاعتداد بها تأكيداً على وجوب السمع والطاعة في غير معصية الله. وقوله: ما أقام فيكم كتاب الله، عند ابن الأثير، وليست في المطبوع من البخاري ولا عند الحميدي. وأخرج البخاري عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا بأبي ذر، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام. فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها، فكثر عليَّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبًا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا عليَّ حبشيًا لسمعت وأطعت. المراد بالشام دمشق، وقوله: كثر عليَّ الناس، أي يسألونه عن سبب خروجه من الشام، وفيه ملاطفة الأئمة للعلماء، والترغيب في الطاعة، والتحذير من الشقاق والخروج على الأئمة، وفيه أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لاتفاق أبي ذر ومعاوية رضي الله عنهما على أن الآية نزلت في أهل الكتاب، قاله ابن حجر، وقال النووي المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، المأمور به والمنهي عنه، هذا قول المحققين والأكثرين، وقيل: ليسوا مخاطبين بها، وقيل: مخاطبون بالمنهي دون المأمور، والله أعلم. وقد سبق هذا في حديث بعث معاذ إلى اليمن في باب تعريف الإسلام ولوازمه. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: على المرء المسلم السمع والطاعة. فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية. وفي رواية: السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بالمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني. وفي رواية: ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني. وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا، وإن قال بغيره فإن عليه منه. قوله: جنة أي سترة؛ لأنه يمنع العدو أن يؤذي المسلمين، ويمنع المسلمين أن يؤذي بعضهم بعضا. وقوله: فإن عليه منه أي وزرا. قال ابن حجر: وحذف في هذه الرواية على طريق الاكتفاء لدلالة مقابله عليه، وقد ثبت في غير هذه الرواية. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كره من أميره شيئا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرا. فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً. وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ. قَوْلُهُ: خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ، أَيْ مِنْ طَاعَةِ السُّلْطَانِ. قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الْمُرَادُ بِالْمُفَارَقَةِ السَّعْيُ فِي حَلِّ عَقْدِ الْبَيْعَةِ وَلَوْ بِأَدْنَى شَيْءٍ، فَكَنَّى عَنْهَا بِالشِّبْرِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ فِي ذَلِكَ يَؤُولُ إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَوْلُهُ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً أَيْ عَلَى ضَلَالٍ، لَا أَنَّهُ يَمُوتُ كَافِرًا، بَلْ يَمُوتُ عَاصِيًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَمُوتُ مِثْلَ مَوْتِ الْجَاهِلِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ جَاهِلِيًّا، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ لِلزَّجْرِ وَالتَّنْفِيرِ.