الحديث رقم 44

كتاب الإيمان · المدة 9:44 · المقطع 2 من 12

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

ما زلنا في باب علامات الإيمان. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين. قال الخطابي: هذا لفظه خبر ومعناه أمر، أي ليكن المؤمن حازمًا حذرًا لا يُخدع مرة بعد أخرى. وسبب الحديث معروف، وهو أن أبا عزة الجمحي الشاعر أُسر ببدر، فشكا عائلةً وفقرًا، فمنَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأطلقه بغير فداء، وعاهده أن لا يحرض عليه ولا يهجوه، فلحق بقومه ورجع إلى التحريض والهجاء، فظفر به في أُحد، فقال: مُنَّ علي، وذكر فقره وعياله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. وقال: لا تمسح عارضيك بمكة تقول: سخرت بمحمد مرتين. وأمر به فقتل. وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب بسند حسن عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المؤمن يموت بعرق الجبين. وفي رواية عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أنه كان بخراسان، فعاد أخٌ له وهو مريض، فوجده بالموت وإذا هو يعرق جبينه، فقال: الله أكبر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: موت المؤمن بعرق الجبين. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن. فإياكم إياكم. ولمسلم: والتوبة معروضة بعد. وللبخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن. قال ابن عباس: تفسيره يُنزع منه الإيمان، لأن الإيمان نزه، فإذا أذنب العبد فارقه، فإذا نزع عاد إليه هكذا، وشبك بين أصابعه ثم فرقها. النهبة هي المال المنهوب، وهو المأخوذ جهراً قهراً، والغلول الخيانة مطلقاً، ثم غلب اختصاصه بالخيانة في الغنيمة، والسرقة من الغنائم قبل أن تقسم. وفي الحديث التغليظ في تحريم هذه المذكورات، والمراد نفي كمال الإيمان عمن يتلبس بها، لأنه يخرج عن الإيمان جملة، لذلك قال صلى الله عليه وسلم في شارب الخمر: لا تلعنوه، فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله. وفي رواية: لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم، كما سيأتي في كتاب القضاء، باب فضل الإيمان. أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. قال سُئِل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أيُّ العملِ أفضل؟ قال: إيمانٌ بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حجٌّ مبرور. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فأيما مؤمن ترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني فأنا مولاه. وفي رواية: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاءً فعلينا قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته. هذه رواية البخاري. ولمسلم قال: والذي نفس محمد بيده، إن على الأرض من مؤمن إلا أنا أولى الناس به، فأيكم ما ترك دينًا أو ضياعًا فأنا مولاه، وأيكم ترك مالًا فإلى العصبة من كان. قوله: أنا مولاه أي وليه وناصره، وعصبة الميت من يرثه سوى من له فرض مقدر، وقوله: ضياعًا أي عيالًا ضائعين لا شيء لهم. قوله: ولم يترك وفاءً فعلينا قضاؤه تخصيص بمن لم يترك وفاءً لدينه، وهل كان ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم أو يجب على ولاة الأمر بعده؟ قال ابن حجر: الراجح الاستمرار، لكن وجوب الوفاء إنما هو من مال المصالح. ونقل ابن بطال وغيره أنه كان صلى الله عليه وسلم يتبرع بذلك، وعلى هذا لا يجب على من بعده. وعلى الأول قال ابن بطال: فإن لم يعط الإمام عنه من بيت المال لم يحبس عن دخول الجنة؛ لأنه يستحق القدر الذي عليه في بيت المال ما لم يكن دينه أكثر من القدر الذي له في بيت المال. وأخرج مسلم عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته. وفي رواية: إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يُعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها. وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه. وأخرج البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل. وفي رواية: أدخله الله من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء. وأخرج البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل. قال: يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ بن جبل. فقلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق العباد على الله أن لا يعذبهم. وفي رواية قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير، فقال: يا معاذ، هل تدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا. فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا. وفي رواية عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل، قال: يا معاذ. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثا. ثم قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذن يتكلوا. فأخبر بها معاذ عند موته تأثما. الرحل كور البعير، ومؤخرته خشبة في آخره يستند إليها الراكب. وقوله تأثما أي تجنبا للإثم وكفا عنه. يقال: تأثم الرجل إذا فعل فعلا يخرج به من الإثم.