الحديث رقم 46

كتاب الإيمان · المدة 10:06 · المقطع 4 من 12

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، فقال لرجل ممن يُدعى بالإسلام: هذا من أهل النار. فلما حضر القتال، قاتل الرجل قتالًا شديدًا، فأصابته جراحة، فقيل له: يا رسول الله، الذي قلت له آنفًا إنه من أهل النار، فإنه قد قاتل اليوم قتالًا شديدًا وقد مات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إلى النار. فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل له: إنه لم يمت، ولكن به جراح شديدة. فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله. ثم أمر بلالًا فنادى في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وفي رواية: إلا نفس مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر. وسيأتي آخر الحديث في باب ما يجب على الولاة. والفاجر هو المنبعث في المعاصي والحرام. وأخرج البخاري عن مهدي بن ميمون قال: سمعت أبا رجاء العطاردي رضي الله عنه يقول: كنا في الجاهلية نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرًا هو أخير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به، فإذا دخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنة، فلا ندع رمحًا فيه حديدة ولا سهمًا فيه حديدة إلا نزعناه وألقيناه شهر رجب. قال مهدي وسمعت أبا رجاء يقول: كنت يوم بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامًا أرعى الإبل على أهلي، فلما سمعنا بخروجه فررنا إلى النار إلى مسيلمة الكذاب. قوله: منصل الأئمة، رويت بكسر الصاد مشددة ومخففة: منصل ومنصل، يقال: نصلت الرمح، أي جعلت له نصلًا، وهو الحديد في رأسه، وأنصلته أي نزعت منه النصل. والجثوة: الشيء المجموع، وجيمها مثلثة. قال الحميدي: إنما روى البخاري هذا الحديث ليعرف أن العطاردية ممن أدرك الجاهلية، وأنه لم يسلم في أول الإسلام. باب الإيمان بالقدر. أخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء. وأخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قالت أم حبيبة: اللهم متعني بزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك سألت الله لآجال مضروبة، وآثار موطوءة، وأرزاق مقسومة، لا يعجل شيئًا منها قبل حله، ولا يؤخر منها شيئًا بعد حله، ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في النار وعذاب في القبر لكان خيرًا لك. وأخرج مسلم عن جابر قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله، بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن. فيما العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير. قال: ففيما العمل؟ قال: اعملوا، فكل ميسر. وفي رواية: كل عامل ميسر لعمله. وأخرج البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بقيع الغرقد في جنازة، فأخذ شيئًا فجعل ينكت به الأرض، فقال: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار أو من الجنة. قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له. أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ: فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى إلى قوله: للعسرى. وأخرج البخاري ومسلم عن عمران بن الحصين قال: قال رجل: يا رسول الله، أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم. قال: ففيما يعمل العاملون؟ قال: كل ميسر لما خلق له. ولمسلم عن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لعمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم. قال: أفلا يكون ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً، وقلت: كل شيء خلق الله وملك يده، فلا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. فقال: لي يرحمك الله، إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك. وإن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قُضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا، بل شيء قُضي عليهم ومضى فيهم. وتصديق ذلك في كتاب الله: ونفسٍ وما سواها فألهمها فجورها وتقواها. قوله: أحزر عقلك، بضم الزاي وكسرها، أي أمتحنه من الحزر وهو التقدير والخرص. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر، فنزلت: يوم يُسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عاماً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فحج آدم وموسى، فحج آدم وموسى. ولمسلم قال: احتج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى. قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض. قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال: موسى: بأربعين عاما. قال آدم: فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى، عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. وأخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال النبي صلى الله عليه وسلم إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنه من أهل النار. فقالوا: أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أبدا. فخرج معه، كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، فجرح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصاب سيفه بالأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه. فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أشهد أنك رسول الله. قال: وما ذاك؟ قال: الرجل الذي ذكرت آنفًا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه حتى جرح جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصاب سيفه بالأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم، وفي رواية: بخواتيمها. نصاب السيف مقبضه، وكذا نصاب السكين.