الحديث رقم 53
نص الحلقة
باب الاعتصام بالكتاب والسنة. أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. وفي رواية: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، أي مردود عليه. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أُنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة. وأخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس، فنزلت: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام، فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر قد صلوا ركعة، فنادى: ألا إن القبلة قد حُوِّلت، فمالوا كما هم نحو القبلة. وأخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده، أو قال أخواله، من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون. فقال: أشهد بالله لقد صليتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الكعبة، فداروا كما هم قبل البيت. وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك. وأخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للركن: أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم استلمك ما استلمتك. فاستلمه، ثم قال: فما لنا وللرمل؟ إنما كنا رأينا به المشركين وقد أهلكهم الله. ثم قال: شيء صنعه النبي صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه. وأخرج الشيخان عن عابس بن ربيعة عن عمر بن الخطاب أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله، فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والطبراني في الكبير والحاكم بسند صحيح عن العرباض بن سارية رضي الله عنه، وهو ممن نزل فيهم: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع. فَمَاذَا تَعَاهَدُوا إِلَيْنَا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. العرباض بن سارية من أصحاب الصفة رضي الله عنهم، وقد روى مسلم في مقدمة صحيحه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم. والدجال من الدجل، وهو كثرة المكر والتدليس. قال في المرقاة: قال المظهر: يعني سيكون جماعة يقولون للناس: نحن علماء ومشايخ ندعوكم إلى الدين، وهم كذابون في ذلك، يتحدثون بالأحاديث الكاذبة، ويبتدعون أحكامًا باطلة واعتقادات فاسدة. وأخرج البخاري عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أمِّرِ القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال عمر: بل أمِّرِ الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. قال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله حتى انقضت. وفي رواية عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيران أن يهلكا، أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد بني تميم، أشار أحدهما بالأقرع بن حابس التميمي الحنظلي أخي بني مجاشع، وأشار الآخر بغيره، فقال أبو بكر لعمر: إنما أردت خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي إلى قوله عظيم. قال ابن أبي مليكة: قال ابن الزبير: فكان عمر بعد، ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر، إذا حدث النبي صلى الله عليه وسلم بحديث حدثه كأخي السرار، لم يسمعه حتى يستفهمه. قوله: تمارىا أي تجادلا وتنازعا، والسرار الكلام السر، وقوله كأخي السرار أي كصاحب الإسرار، والمعنى كالمناجي سرا. وأخرج الترمذي والدارقطني والحاكم والبيهقي في الشعب بسند حسن عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته، فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإنما حرم رسول الله كما حرم الله. ستأتي رواية أخرى للحديث في كتاب الأطعمة: والأريكة سرير في قبة، وقيل هي كل ما اتكئ عليه. قال في المرقاة: قيل المراد بهذه الصفة الترفه والدعة، كما هو عادة المتكبر المتجبر القليل الاهتمام بأمر الدين، وفيه تأكيد لحماقة القائل وبطره وسوء أدبه. قال الخطابي: يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس له في القرآن ذكر، على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض، فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب، فتحيروا وضلوا. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار تقع فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وهم يقتحمون فيها. وفي لفظ: وأنتم تقحمون فيها. هذه رواية البخاري، ولمسلم نحوها، وقال في آخرها: فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني تقحمون فيها. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء. فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا. وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ. قَوْلُهُ النَّجَاءَ النَّجَاءَ، أَيْ أَسْرِعُوا أَسْرِعُوا، وَالنَّجَاءُ السُّرْعَةُ وَالْخَلَاصُ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ أَدْلِجُوا، أَيْ سَارُوا مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، أَوْ سَارُوا اللَّيْلَ كُلَّهُ.