الحديث رقم 52
نص الحلقة
في باب التحذير من النفاق، أخرج البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عبدُ الله بن أبي بعدما أُدخل حفرته، فأمر به فأُخرج، فوضعه على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه، فالله أعلم. قال: وكان كسى عباسًا قميصًا، قال سفيان، وقال أبو هارون: وكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصان، فقال له ابن عبد الله: يا رسول الله، ألبس أبي قميصك الذي يلي جلدك. قال سفيان: فيرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ألبس عبد الله قميصه مكافأةً لما صنع. وفي رواية قال: لما كان يوم بدر أُتي بأسارى، وأُتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم له قميصًا، فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه، فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه، فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه. قال ابن عيينة: كانت له عند النبي صلى الله عليه وسلم يد، فأحب أن يكافئه. قال ابن حجر: قوله قال أبو هارون إلى آخره كذا وقع في رواية أبي ذر وغيرها، ووقع في كثير من الروايات: وقال أبو هريرة، وهو تصحيف، وأبو هارون هو موسى بن أبي عيسى الحناط، وقيل هو إبراهيم بن العلاء الغنوي من شيوخ البصرة، وكلاهما من أتباع التابعين. وأخرج البخاري عن زيد بن وهب. قال كنا عند حذيفة، فقال: ما بقي من أصحاب هذه الآية، يعني فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم، إلا ثلاثة، ولا بقي من المنافقين إلا أربعة. فقال أعرابي: إنكم أصحاب محمد تخبرونا فلا ندري، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون أعلاقنا؟ قال أولئك الفساق، أجل، لم يبق منهم إلا أربعة، أحدهم شيخ كبير، لو شرب الماء البارد لما وجد برده. قوله يبقرون بيوتنا، أي ينقبونها ويسرقون ما فيها. وبقر بطنه، أي شق بطنه، والأعلاق جمع علق، وهو الشيء النفيس. وأخرج البخاري عن الأسود بن يزيد قال: كنا في حلقة عبد الله بن مسعود، فجاء حذيفة حتى قام علينا، فسلم، ثم قال: لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم. قال الأسود: سبحان الله، إن الله عز وجل يقول: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، فتبسم عبد الله، وجلس حذيفة في ناحية المسجد، فقام عبد الله وتفرق أصحابه، فرماني بالحصى فأتيته، فقال حذيفة: عجبت من ضحكك، وقد عرف ما قلت، لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيرا منكم، ثم تابوا فتاب الله عليهم. قال ابن حجر: قوله لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم، أي ابتلوا به، وهم من طبقة الصحابة، لكن الله ابتلاهم فارتدوا ونافقوا، فكأن حذيفة حذرهم أن لا يغتروا، فإن القلوب تتقلب، وبين لهم أنهم وإن كانوا في غاية الوثوق بإيمانهم. فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَأْمَنُوا مَكْرَ اللَّهِ، فَإِنَّ الطَّبَقَةَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَهُمُ الصَّحَابَةُ كَانُوا خَيْرًا مِنْهُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ وُجِدَ بَيْنَهُمْ مَنْ ارْتَدَّ وَنَافَقَ. قَوْلُهُ: فَرَمَانِي، أَيْ حُذَيْفَةُ رَمَى الْأَسْوَدَ. وَقَوْلُهُ: عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ، أَيْ مِنِ اقْتِصَارِهِ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ، أَيْ فَهِمَ مُرَادِي وَعَرَفَ أَنَّهُ الْحَقُّ. قَوْلُهُ: ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أَيْ رَجَعُوا عَنِ النِّفَاقِ. بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ. أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ. وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ بِطُولِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ. سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْئًا مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا. وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْمُشَادَّةُ هِيَ الْمُغَالَبَةُ، وَالْمَعْنَى لَا يَتَعَمَّقْ أَحَدٌ فِي الْأَعْمَالِ الدِّينِيَّةِ وَيَتْرُكُ الرِّفْقَ إِلَّا عَجَزَ وَانْقَطَعَ فَيُغْلَبُ. قال ابن المنير: وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال، وهذا موافق لحديث ابن مسعود الآتي: هلك المتنطعون. وقوله: سددوا من السداد، وهو الاستقامة والقصد، ومنه سدد السهم، بمعنى صوبه ووجهه نحو الهدف. وقوله: قاربوا، أي اقتربوا من السداد ما استطعتم. وقوله: القصد القصد، أي الاعتدال الاعتدال، لا غلو ولا تقصير. وأخرج مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يدخل أحدًا منكم عمله الجنة، ولا يجيره من النار، ولا أنا، إلا برحمة الله عز وجل. وفي رواية قال: قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو منكم أحد بعمله. قالوا: يا رسول الله، ولا أنت؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، قالوا: فأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له. ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني. وأخرج مسلم عن زرارة أن سعد بن هشام بن عامر أراد أن يغزو في سبيل الله، فقدم المدينة، فأراد أن يبيع عقارًا له بها، فيجعله في السلاح والكراع، الكراع الخيل، ويجاهد الروم حتى يموت. فلما قدم المدينة لقي أناسًا من أهل المدينة، فنهوه عن ذلك، وأخبروه أن رهطًا ستة أرادوا ذلك في حياة نبي الله صلى الله عليه وسلم، فنهاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، وقال: أليس لكم فيَّ أسوة؟ فلما حدثوه بذلك راجع امرأته، وقد كان طلقها، وأشهد على رجعتها. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب، فحمد الله ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية. وأخرج البخاري عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم، أمرهم من العمل بما يطيقون. قالوا: لسنا كهيئتك، إن الله عز وجل قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيغضب حتى يُعرف الغضب في وجهه، ثم يقول: إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يسروا ولا تعسروا. وبشروا ولا تنفروا، وفي رواية: وسكنوا ولا تنفروا. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم. قال أبو إسحاق: سمعته بالنصب والرفع، ولا أدري أيهما. قوله أهلكهم روي برفع الكاف ونصبها، أهلكهم وأهلكهم، والرفع أشهر. واتفق العلماء على أن الذم لمن قاله يزري بالناس ويفضل نفسه، أما من قاله تحزناً للنقص في أمر الدين فلا بأس عليه. وأخرج مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هلك المتنطعون، قالها ثلاثاً. والمتنطعون هم المبالغون في الأمور، المجاوزون الحد في أقوالهم وأفعالهم.