الحديث رقم 233

كتاب البيوع · المدة 8:08 · المقطع 3 من 13

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

ولم نزل في كتاب البيوع وما نهي عنه منها. أخرج الشيخان رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أما الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فهو الطعام أن يباع حيث يقبض. قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله. بوب عليه البخاري بقوله: باب بيع الطعام قبل أن يقبض، وبيع ما ليس عندك. وقال ابن حجر: استنبطه مما أخرجه أصحاب السنن من حديث حكيم بن حزام، قلت: يا رسول الله، يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي، أبيعه منه ثم أبتاعه له من السوق؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك. قال ابن المنذر: وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين: أحدهما أن يقول: أبيعك عبداً أو داراً معينة وهي غائبة، فيشبه بيع الغرر. ثانيهما أن يقول: هذه الدار بكذا على أن أشتريها لك من صاحبها، أو على أن يسلمها لك صاحبها. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع حبل الحبلة. وكان أهل الجاهلية يتبايعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل التي نتجت، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. حبل الحبلة بفتح الحاء والباء فيهما حمل الحوامل، والحبلة جمع حابل كظلمة وظالم، والنهي عنه لأنه بيع بثمن مؤجل. إلى أجلٍ مجهول، كما فسره ابن عمر، وهو راوي الحديث، وقيل لأن المبيع مجهول وغير مقدور عليه. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته. الولاء: ولاء المعتق. قال ابن حجر، قال ابن بطال: أجمع العلماء على أنه لا يجوز تحويل النسب، فإذا كان حكم الولاء حكم النسب، فكما لا ينتقل النسب لا ينتقل الولاء. وكانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره، فنهى الشرع عن ذلك. وقال ابن عبد البر: اتفق الجماعة على العمل بهذا الحديث. وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عسب الفحل. الفحل هو الذكر من كل حيوان، واختلف في العسب، فقيل هو ثمن ماء الفحل، وقيل أجرة الجماع. قال النووي: اختلف العلماء في إجارة الفحل للضراب، فقال الشافعي وأبو حنيفة وآخرون: استئجاره لذلك باطل وحرام؛ لأنه غرر مجهول وغير مقدور على تسليمه. وقال جماعة من الصحابة والتابعين ومالك وآخرون: يجوز استئجاره لضراب مدة معلومة أو لضربات معلومة؛ لأن الحاجة تدعو إليه، وهي منفعة مقصودة، وحمل النهي على التنزيه والحث على مكارم الأخلاق. وقال ابن حجر: وعلى كل تقدير فبيعه وإجارته حرام. لأنه غير متقوم، ولا معلوم، ولا مقدور على تسليمه. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وبيع الحصاة. بوب عليه مسلم بقوله: باب بطلان بيع الحصاة، والبيع الذي فيه غرر. وبيع الحصاة أن يقول: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع، أو بعتك من السلع ما تقع عليه حصاتك، أو بعتك من الأرض إلى حيث تنتهي حصاتك. وبيع الغرر كل بيع لا يحيط بكنهه المتبايعان. قال النووي: النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق، والمعدوم، والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وكل هذا بيعه باطل؛ لأنه غرر من غير حاجة. وقد يحتمل بعض الغرر إذا دعت إليه حاجة، ولذلك أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير، كالجهل بأساس الدار، وصحة بيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها، وجواز دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء، وفي قدر مكثهم. قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر، والصحة مع وجوده على ما ذكرناه، وهو أنه إن دعت حاجة إلى ارتكاب الغرر، ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، وكان الغرر حقيرا، جاز البيع وإلا فلا. واعلم أن بيع الملامسة، والمنابذة، والحصاة. وحبل الحبلة، وعسب الفحل، وأشباهها مما جاء فيها نصوص خاصة هي داخلة في بيع الغرر، ولكن أُفردت بالذكر لكونها من بيوع الجاهلية المشهورة. انتهى ملخصًا. وأخرج البخاري عن أنس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة، والمخاضرة، والملامسة، والمنابذة. المحاقلة هي إكراء الأرض بمقدار من الثمر، وقيل بيع الزرع قبل إدراكه. والمخاضرة بيع الثمار خضرًا قبل بدو صلاحها، سميت مخاضرة لأنهم يبتاعونها خضراء. والملامسة قولهم: إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب البيع، أو يلمس المتاع من وراء ثوب ولا ينظر إليه ثم يوقع البيع. والمنابذة قولهم: إذا نبذت إليك الثوب أو الحصاة فقد وجب البيع. ونهي عن هذه البيوع لما فيها من الجهالة والغرر، فهي محرمة باطلة. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من باع نخلًا قد أُبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع. زاد مسلم: ومن ابتاع عبدًا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع. وفي أخرى له: أيما نخل اشتري أصولها وقد أُبرت فإن ثمرها للذي أبرها إلا أن يشترط الذي اشتراها. قوله: أُبرت أي لُقحت. والمبتاع هنا المشتري، بقرينة الإشارة إلى البائع. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: ذلك الربا، تلك المزابنة، إلا أنه رخص في بيع العرية: النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً، يأكلونها رطباً. وفي رواية: أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطباً. قال ابن حجر: واختلف السلف هل يلحق العنب أو غيره بالرطب في العرايا؟ فقيل: لا، وهو قول أهل الظاهر. وقيل: يلحق العنب خاصة، وهو مشهور مذهب الشافعي. وقيل: يلحق كل ما يدخر، وهو قول المالكية. وقيل: يلحق كل ثمرة، وهو منقول عن الشافعي.