الحديث رقم 235

كتاب البيوع · المدة 9:03 · المقطع 5 من 13

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

لم نزل في باب البيوع وما نهي عنه منها. أخرج البخاري رحمه الله عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه. قوله: كيلوا طعامكم، أي عند شرائه وبيعه. وجاء الندب إلى الكيل، ورتبت البركة عليه عند البيع، من أجل تعلق حق المتبايعين، ونهي عنه، ورتبت البركة على تركه عند الإنفاق؛ لأنه يبعث على الشح وضعف التوكل، كما تقدم في حديث جابر: لو لم تكله لقام بكم، وحديث أسماء: أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك. وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم بسند حسن عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرفة العبدي بزا من هجر، فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فساومنا سراويل فبعنا منه، فوزن ثمنه، وقال للذي يزن: زن وأرجح. وفي رواية: وعندنا وزانون يزنون بالأجر، فقال للوزان: زن وأرجح. البز: الثياب، وقيل ضرب من الثياب، وهجر بلد معروف من ناحية البحرين. قال الخطابي رحمه الله: فيه دليل على جواز هبة المشاع، وذلك أن مقدار الرجحان هبة منه للبائع، وهو غير متميز من جملة الثمن. وفيه دليل على جواز أخذ الأجرة على الوزن والكيل، وفي معناهما أجرة القسام والحاسب، وكان سعيد بن المسيب ينهى عن أجرة القسام، وكرهها أحمد بن حنبل. قال: وفي مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم وأمره إياه به، كالدليل على أن وزن الثمن على المشتري، فإذا كان الوزن عليه لأن الإيفاء يلزمه، فقد دل على أن أجرة الوزان عليه، فإذا كان ذلك على المشتري، فقياسه في السلعة المبيعة أن يكون على البائع. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن بسند صحيح عن قيس بن أبي غَرَزة الغفاري رضي الله عنه قال: كنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نسمى السماسرة، فمر بنا يوماً بالمدينة فسمانا باسم هو أحسن منه، فقال: يا معشر التجار، إن البيع يحضره اللغو والحلف والكذب، فشوبوه بالصدقة. قال الخطابي: أمرهم بشيء من الصدقة غير معلوم المقدار في تضاعيف الأيام ومر الأوقات، ليكون كفارة عن اللغو والحلف، وذلك غير الزكاة الواجبة فيه، فالزكاة قد علم وجوبها ووقتها ومقاديرها من أدلة أخرى. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر. وَكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ، إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ الْقَوْمِ، فَمَرَّ بِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: مَا لَكَ؟ قُلْتُ: إِنِّي عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ. قَالَ: أَمَعَكَ قَضِيبٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَعْطِنِيهِ. فَأَعْطَيْتُهُ، فَضَرَبَهُ وَزَجَرَهُ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فِي أَوَّلِ الْقَوْمِ. قَالَ: بِعْنِيهِ. فَقُلْتُ: بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: بَلْ بِعْنِيهِ، قَدْ أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ أَخَذْتُ أَرْتَحِلُ. قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً قَدْ خَلَا مِنْهَا. قَالَ: فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ أَبِي تُوُفِّيَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً قَدْ جَرَّبَتْ وَخَلَا مِنْهَا. قَالَ: فَذَاكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: هَلْ تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ قُلْتُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا. فَقَالَ: هَلَّا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُوُفِّيَ وَالِدِي أَوِ اسْتُشْهِدَ، وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ فَلَا تُؤَدِّبُهُنَّ وَلَا تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وَتُؤَدِّبَهُنَّ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قَالَ: يَا بِلَالُ اقْضِهِ وَزِدْهُ. فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ وَزَادَهُ قِيرَاطًا. قَالَ جَابِرٌ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَارَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمْ يَكُنِ الْقِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ قَالَ. أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعتل جملي، وساق الحديث بقصته، وفيه: ثم قال لي: بعني جملك هذا. قلت: لا، بل هو لك. قال: لا، بل بعنيه. فقلت: لا، بل هو لك يا رسول الله. قال: لا، بل بعنيه. قلت: فإن لرجل علي أوقية من ذهب، فهو لك بها. قال: قد أخذته. فتبلغ عليه إلى المدينة. فلما قدمت المدينة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: أعطه أوقية من ذهب وزده. قال: فأعطاني أوقية من ذهب، وزادني قيراطًا. فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فكان في كيس لي، فأخذه أهل الشام يوم الحرة، وفي أخرى لمسلم نحو ذلك، وفيه قال: أتبيعنيه بكذا وكذا، والله يغفر لك؟ قلت: هو لك يا نبي الله. قال: ذلك ثلاثًا، وذكر الحديث. قال أبو نضرة الراوي عن جابر: فكانت كلمة يقولها المسلمون: افعل كذا وكذا، والله يغفر لك. وفي أخرى له قال: ليركب بسم الله، وفيه: فما زال يزيدني ويقول: والله يغفر لك. وفي أخرى له قال: فنخسه فوثب، فكنت بعد ذلك أحبس خطامه لأسمع حديثه، فما أقدر عليه، فلحقني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بعنيه. فبعته بخمس أواق. قال: قلت على أن لي ظهره إلى المدينة، فلما قدمت المدينة أتيته فزادني أوقية. ثم وهبه لي، وفي أخرى فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم غدوت إليه بالجمل، فأعطاني ثمن الجمل، والجمل وسهمي مع القوم. وفي أخرى له قال: يا جابر، أتوفيت الثمن؟ قلت: نعم. قال: لك الثمن ولك الجمل، لك الثمن ولك الجمل. قد سبقت للحديث رواية أخرى في كتاب ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: جمل ثفال، أي بطيء السير، وقوله: أتوفيت الثمن، أي هل قبضته تاماً وافياً، كما قال الله تعالى عن عيسى: إني متوفيك، وقال: فلما توفيتني. قال ابن قتيبة رحمه الله: التوفي من استيفاء العدد، يقال: توفيت واستوفيت، كما يقال: تيقنت الخبر واستيقنته. ثم قيل للموت وفاة وتوفٍ، فيكون معنى يا عيسى إني متوفيك، أي قابضك من الأرض وافياً تاماً، من غير أن ينال منك اليهود شيئاً. ووجه النووي وابن حجر وغيرهما اختلاف الروايات في مقدار الثمن، وقال النووي: فيه جواز المماكسة في البيع، وهي طلب إنقاص الثمن، لأن في رواية أبي داود: تراني إنما ماكستك لأذهب بجملك، خذ جملك وثمنه فهما لك. وفي استحباب سؤال الرجل الكبير أصحابه عن أحوالهم، والإشارة عليهم بمصالحهم، وأن أجرة وزن الثمن على البائع، وجواز الوكالة في قضاء الديون وأداء الحقوق، واستحباب الزيادة في أداء الدين وإرجاح الوزن. وفيه جواز الاشتراط في البيع، لأن جابرًا اشترط ظهر جمله إلى المدينة، وفيه معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم.