الحديث رقم 240

كتاب البيوع · المدة 8:58 · المقطع 10 من 13

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب البيوع، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان لرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنٌّ من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال: أعطوه. فطلبوا سنه فلم يجدوا إلا سنًّا فوقها، فقال: أعطوه. فقال: أوفيتني، وفاك الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خيركم أحسنكم قضاءً. وفي رواية قال: كان لرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حقٌّ، فأغلظ له، فهمَّ به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لصاحب الحق مقالًا. فقال لهم: اشتروا له سنًّا فأعطوه إياه. فقالوا: إنا لا نجد إلا سنًّا هو خير من سنه. قال: فاشتروه فأعطوه إياه، فإن من خيركم، أو خيركم، أحسنكم قضاءً. السن من الإبل أحد أسنانها، إما جذع أو ثني أو سديس، وقد تبين ذلك من حديث أبي رافع السابق. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مطل الغني ظلم، وإذا أُتبع أحدكم على مليء فليتبع. قال النووي، قال القاضي وغيره: المطل منع قضاء ما استحق أداؤه، فمطل الغني ظلم وحرام، ومطل غير الغني ليس بظلم ولا حرام، لمفهوم الحديث، ولأنه معذور، وفيه دلالة لمذهب الجمهور أن المعسر لا يحل حبسه. ولا ملازمته ولا مطالبته حتى يوسر. واختلف في المماطل هل يفسق وترد شهادته بمطله مرة واحدة، أم لا ترد شهادته حتى يتكرر ذلك منه ويصير عادة؟ وقوله: إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع، معناه إذا أحيل صاحب الدين على مليء قادر فليقبل الإحالة. ومذهب الجمهور أنه إذا أحيل على مليء استحب له قبول الحوالة، وحمل الحديث على الندب. وقال بعض العلماء: القبول مباح لا مندوب. وقال بعضهم: واجب لظاهر الأمر. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن بسند الحسن عن الشريد بن سويد الثقفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته. لَيُّ الواجد أن يلوي في أداء الحق الذي عليه، وهو يجد ما يؤدي، وهو كقوله مطل الغني. قال النووي: قال العلماء: يحل عرضه بأن يقول: ظلمني ومطلني، وعقوبته أي الحبس والتعزير. وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين. قال النووي: فيه هذه الفضيلة العظيمة للشهيد، وهي تكفير خطاياه كلها إلا حقوق الآدميين. وَإِنَّمَا يَكُونُ تَكْفِيرُهَا بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الْمُتَقَدِّمِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَهِيَ أَنْ يُقْتَلَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ وَالشَّهَادَةَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ لَا يُكَفِّرُ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ، وَإِنَّمَا يُكَفِّرُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. فَصَلَّى عَلَيْهِ. ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ. فَصَلَّى عَلَيْهَا. ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ. قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ دَيْنُهُ. فَصَلَّى عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْكَفَالَةِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ. وَفِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِصُعُوبَةِ الدَّيْنِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي تَحَمُّلُهُ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ قَضَاءً؟ فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ. وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ كَانَ يُصَلِّي وَلَا يَسْأَلُ عَنِ الدَّيْنِ، وَكَانَ يَقُولُ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، أَوْ كَلًّا أَوْ ضَيَاعًا فَعَلَيَّ وَإِلَيَّ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ. الْكَلُّ هُمُ الْعِيَالُ وَالثِّقَلُ، وَالضَّيَاعُ بِفَتْحِ الضَّادِ الْعِيَالُ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ التَّرْغِيبُ فِي تَحْسِينِ النِّيَّةِ، وَالتَّرْهِيبُ مِنْ ضِدِّ ذَلِكَ، وَأَنَّ مَدَارَ الْأَعْمَالِ عَلَيْهَا. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ. فَقَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: آللَّهِ. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ ابْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ لِأَبِي الْيَسَرِ: يَا عَمِّ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سُفْعَةً مِنْ غَضَبٍ. قَالَ: أَجَلْ، كَانَ لِي عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْحَرَامِيِّ مَالٌ فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَسَلَّمْتُ. فقلت: أثم هو؟ قالوا: لا. فخرج إليَّ ابنٌ له جفر، فقلت له: أين أبوك؟ فقال: لم يسمع صوتك فدخل أريكة أمي. فقلت له: اخرج فقد علمت موضعك. فخرج، فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ولا أكذبك، خشيت أن أحدثك فأكذبك، وأعدك فأخلفك، وكنت قد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت والله معسرًا. قلت: آلله؟ قال: الله. قلت: آلله؟ قال: الله. قلت: آلله؟ قال: الله. فأعطيته صحيفته فمحاها بيده، وقلت: وجدت قضاءً فاقضني وإلا فأنت في حل. فأشهد بصر عينيه هاتين، ووضع إصبعيه على عينيه، وسمع أذنيه هاتين، ووعاه قلبي هذا، وأشار إلى نياط قلبه. رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله. قوله: سُفعة هي علامة غيرت لونه، والولد جفر الذي قارب البلوغ، والأريكة السرير في الحجلة أو كل ما يتكأ عليه. وقوله: قلت آلله؟ قال الله، الأول بهمزة استفهام ممدودة، والثاني بلا مد، والهاء فيهما مكسورة، هو يمين. وقوله: بصر عينيَّ وسمع أذنيَّ، هذه رواية الأكثرين. وقوله: نياط قلبي، وفي بعض النسخ: مناط قلبي، هو عِرق مُعلَّق. هو عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بالقلب.