الحديث رقم 236

كتاب البيوع · المدة 9:21 · المقطع 6 من 13

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

ولم نزل في كتاب البيوع، أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فكنت على بكر صعب لعمر، الصعب النفور ضد الذلول، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم فيزجره، ويقول لي: أمسكه، لا يتقدم بين يدي رسول الله. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعنيه يا عمر. فقال: هو لك يا رسول الله، فباعه منه. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو لك يا عبد الله، فاصنع به ما شئت. البكر ولد الناقة أول ما يركب، والصعب ضد الذلول، وقوله: باعه منه، يقال باعه منه وباعه إياه بمعنى واحد. قال ابن حجر: يستفاد منه أن المشتري إذا تصرف في المبيع ولم ينكر البائع كان ذلك قاطعًا لخيار البائع. وفي هذا الحديث ما كان عليه الصحابة من توقيرهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه جواز التصرف في المبيع قبل بذل الثمن، وفيه وفي سابقه جواز طلب البيع ممن لم يعرض سلعته للبيع، ومراعاة النبي صلى الله عليه وسلم أحوال الصحابة وحرصه على ما يدخل السرور عليهم. وأخرج البخاري عن عروة البارقي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه. وكان لو اشترى التراب لربح فيه. قال ابن حجر: جاء الحديث عند أحمد وغيره عن عروة، قال: عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب، فأعطاني دينارًا، فقال: يا عروة، ائت الجلب فاشتر لنا شاة. فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت منه شاتين بدينار، فلقيني رجل فساومني فبعته شاة بدينار، وجئت بالدينار والشاة، فقال: اللهم بارك له في صفقة يمينه. وفي الحديث أنه أمضى بيع عروة وارتضاه، واستدل به على جواز بيع الفضولي، وفيه بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي بسند حسن، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم. وفي رواية: ولد الرجل من كسبه، من أطيب كسبه، فكلوا من أموالهم. قال الخطابي: فيه أن نفقة الوالدين واجبة على الولد إذا كان واجدًا لها، وإذا احتاج الوالد إلى مال ولده أخذ منه قدر حاجته كما يأخذ من ماله نفسه. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة. هذه رواية البخاري، ولمسلم: ممحقة للربح. وأخرج مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه. أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفق ثم يمحق. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بفلاة يمنع منه ابن السبيل، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك. ورجل بايع رجلاً بسلعة بعد العصر، فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا، فصدقه وأخذها، وهي على غير ذلك. ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفى له، وإلا لم يف له. وفي رواية: فإن أعطاه منها رضي، وإن لم يعطه منها سخط. وفي رواية نحوه، وقال: رجل حالف على سلعة لقد أُعطي بها أكثر مما أُعطي وهو كاذب. ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم. ورجل منع فضل ماء، فيقول الله له: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك. قال النووي رحمه الله: إذا كان من يمنع فضل الماء الماشية عاصياً، فكيف بمن يمنعه الآدمي المحترم؟ فلو كان ابن السبيل غير محترم كالحربي والمرتد. لم يجب بذل المائلة. وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات. فقلت: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب. وفي رواية: المنان الذي لا يعطي شيئًا إلا منة، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره. باب الخيار. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعًا، أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع. وفي رواية: إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا، أو يكون البيع خيارًا. قال نافع: فكان ابن عمر إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه. ولمسلم قال: فكان ابن عمر إذا بايع رجلًا فأراد ألا يقيله قام فمشى هنيهة ثم رجع. ولمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا. إلا بيع الخيار. وللبخاري قال ابن عمر: بعت من أمير المؤمنين عثمان مالًا بالوادي بمال له بخيبر، فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني البيع، وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا، فلما وجب بيعي وبيعه رأيت أني قد غبنته بأني سقته إلى أرض ثمود بثلاث ليال، وساقني إلى المدينة بثلاث ليال. قوله: بعت مالًا أي أرضًا أو عقارًا، والوادي وادي القرى بين تيماء وخيبر، وقوله هنيهة، وفي بعض الروايات: هنية، أي شيئًا يسيرًا. قال النووي: هذا الحديث دليل لثبوت خيار المجلس لكل واحد من المتبايعين بعد انعقاد البيع حتى يتفرقا من ذلك المجلس بأبدانهما، وبهذا قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقال أبو حنيفة ومالك وآخرون: لا يثبت خيار المجلس، بل يلزم البيع بنفس الإيجاب والقبول. وهذه الأحاديث الصحيحة ترد عليهم، وفيه دليل على أن التفرق بالأبدان كما فسره ابن عمر الراوي، وقوله إلا بيع الخيار فيه أقوال، أصحها أن المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس، وتقديره: يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ويختار إمضاء البيع، فيلزم البيع بنفس التخاير ولا يدوم إلى المفارقة. والقول الثاني أن معناه إلا بيعًا شُرِطَ فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو دونها، فلا ينقضي الخيار فيه بالمفارقة، بل يبقى حتى تنقضي المدة المشروطة. وقال ابن حجر: وفي الحديث جواز التحيل في إبطال الخيار، وتقديم المرء مصلحة نفسه على مصلحة غيره.