الحديث رقم 241

كتاب البيوع · المدة 10:05 · المقطع 11 من 13

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب البيوع، أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستودع الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما، فقال: أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ أي الحالف. فقال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب. قوله يستودعه ويسترفقه، أي يطلب منه أن يضع عنه ويرفق به. وقوله فله أي ذلك أحب، أي من الوضع أو الرفق. وفيه سرعة مبادرة الصحابة رضي الله عنهم لطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن رجلاً ممن كان قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه، فقال: هل عملت من خير؟ قال: ما أعلم. قيل له: انظر. قال: ما أعلم شيئاً، غير أني كنت أبايع الناس في الدنيا، فأنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر، فأدخله الله الجنة. فقال أبو مسعود وأنا سمعته يقول ذلك. ولمسلم قال حذيفة: أتى الله عز وجل بعبد من عباده آتاه الله مالاً، فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ قال: ولا يكتمون الله حديثاً. قال: يا رب، آتيتني مالاً، فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز. فكنت أتيسر على الموسر، وأنظر المعسر، فقال الله عز وجل: أنا أحق به منك، تجاوزوا عن عبدي. فقال عقبة بن عامر الجهني وأبو مسعود الأنصاري: هكذا سمعناه من في رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي أخرى له عن أبي مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرًا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر. قال: قال الله عز وجل: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أدرك ماله بعينه عند إنسان قد أفلس، فهو أحق به من غيره. وفي رواية قال: في الرجل الذي يعدم إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه، إنه لصاحبه الذي باعه. وفي أخرى قال: إذا أفلس الرجل فوجد الرجل متاعه بعينه فهو أحق به من الغرماء. قال ابن حجر: استدل به على أن شرط استحقاق صاحب المال دون غيره أن يجد ماله بعينه لم يتغير ولم يتبدل، وإلا فإن تغيرت العين في ذاتها أو صفة من صفاتها فهو أسوة الغرماء. وقوله أحق بهم غير أي كائنا من كان، وارثا أو غريبا، وبهذا قال جمهور العلماء. وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها، فكثر دينه فأفلس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال لغرمائه: خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك. وأخرج البخاري عن أيمن الحبشي المخزومي قال: دخلت على عائشة، وعليها درع قطن ثمن خمسة دراهم، فقالت: ارفع بصرك إلى جاريتي، انظر إليها، فإنها تزهى أن تلبسه في البيت، وقد كان لي منهن درع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كانت امرأة تُقَيَّن بالمدينة إلا أرسلت إلي تستعيره. الدرع قميص المرأة، والقطر نوع من الثياب القطنية الغليظة، وفي نسخة: درع قطن، وقولها تزها أي تأنف وتتكبر، وقولها تُقَيَّن أي تُزَيَّن لزفافها، والتقيين التزيين، ومنه القينة لأنها تتزين. قال ابن حجر: فيه أن عارية الثياب للعروس أمر معمول به مرغب فيه، وفيه تواضع عائشة، وحلمها، ورفقها في المعاتبة، وإيثارها بما عندها مع الحاجة إليه. باب المساقات والمزارعة. أخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: لما قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء. وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام، ويكفونهم العمل والمؤونة. وكانت أم أنس بن مالك، وهي تدعى أم سليم، كانت تعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم عِذاقًا لها، أي نخيلًا، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن مولاته أم أسامة بن زيد. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم. قال: فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم عِذاقها، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن مكانهن من حائطه. وفي رواية قال: كان الرجل يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم النخلات من أرضه حتى فُتحت قريظة والنضير، فجعل بعد ذلك يرد عليهم. وأن أهلي أمروني أن آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله ما كان أهله أعطوه أو بعضه. وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم قد أعطاه أم أيمن، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي، وقالت: والله لا يعطيكهن وقد أعطانيهن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أم أيمن، اتركيه ولكن كذا وكذا، وتقول: كلا، والله الذي لا إله إلا هو. فجعل يقول كذا حتى أعطاها عشرة أمثاله أو قريبًا من عشرة أمثاله. العِذاق جمع عِذق كحبل وحبال، والعِذق هو النخلة. وقيل إنما يقال لها ذلك إذا كان حملها برأسها. قال النووي قال العلماء لما قدم المهاجرون آثرهم الأنصار بمناحل من أشجارهم، فمنهم من قبلها منيحة محضة، ومنهم من قبلها بشرط أن يعمل في الشجر والأرض وله نصف الثمار، ولم تطب نفسه أن يقبلها منيحة محضة، وكان هذا مساقاة، فلما فتحت عليهم خيبر استغنى المهاجرون بأنصبائهم فيها عن تلك المناحل، فردوها إلى الأنصار، فردوهم إياها دليل على أنها كانت منائح ثمار، أي إباحة للثمار لا تمليكًا للرقاب النخل، فلو كانت هبة لرقبة النخل لم يرجعوا فيها، فإن الرجوع في الهبة بعد القبض لا يجوز، وإنما كانت إباحة، والإباحة يجوز الرجوع فيها متى شاء، ومع هذا لم يرجعوا فيها حتى اتسعت الحال على المهاجرين بفتح خيبر واستغنوا عنها. وأخرج البخاري ومسلم عن جابر قال: كان لرجال منا فضول أراضين، فقالوا نؤاجرها بالثلث والربع والنصف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، ولا يؤاجرها إياه ولا يكريها، فإنا بافٍ ليمسك أرضه. وفي رواية: نهى أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ. وفي أخرى: نهى عن بيع الأرض البيضاء سنتين أو ثلاثة. وفي أخرى: نهى عن بيع السنين. وفي أخرى: نهى عن بيع الثمر سنين، وعن الثنيا ورخص في العرايا. بيع السنين أن يبيع ثمرة نخلة أو نخلات بعيانها سنتين أو ثلاثة، والثنيا أن يستثني في العقد شيئًا مجهولًا، والعرايا جمع عرية. قد تقدم تعريفه. قال النووي: اختلف العلماء في كراء الأرض، فقال طاووس والحسن البصري: لا يجوز بكل حال، سواء أكراها بطعام أو ذهب أو فضة أو بجزء من زرعها، لإطلاق حديث النهي عن كراء الأرض. وقال الشافعي وأبو حنيفة وكثيرون: تجوز إجارتها بالذهب والفضة والطعام والثياب وسائر الأشياء، لكن لا تجوز إجارتها بجزء مما يخرج منها كالثلث والربع، وهي المخابرة. وقال أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وجماعة من المالكية وآخرون: تجوز إجارتها بالذهب والفضة، وتجوز المزارعة بالثلث والربع وغيرهما. وبهذا قال المحققون من أصحابنا، يعني الشافعية، وهو الراجح المختار. قالوا: وحمل النهي على كراهة التنزيه، وهذا لا بد منه للجمع بين الأحاديث. انتهى. وسيأتي إن شاء الله في آخر الباب حديث ابن عباس، وحديث الثابت بن الضحاك، وحديث ابن عمر في إباحة كراء الأرض.