الحديث رقم 143
نص الحلقة
في باب أحكام الحج أخرج مسلم عن عائشة أن أسماء بنت عميس نُفِسَت بمحمد بن أبي بكر بالشجرة، وفي رواية بذي الحليفة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يأمرها أن تغتسل وتهل. قال النووي: نُفِسَت أي ولدت. قال القاضي: يقال نفست أي حاضت أيضًا، وكذا ضحكت وأكبرت بمعنى حاضت. وفيه صحة إحرام النفساء والحائض، واستحباب اغتسالهما للإحرام، وهو مجمع عليه. وسيأتي إن شاء الله قول النبي صلى الله عليه وسلم: اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي. وفيه أن ركعتي الإحرام سنة، ليست بشرط لصحة الحج؛ لأن أسماء لم تصلهما. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم بأطيب ما أجد قبل أن يحرم، ثم يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك. وفي رواية قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديَّ بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام. الذريرة ضرب من الطيب مجموع من أخلاط. وفي أخرى قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديَّ هاتين حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف، وبسطت يديها. وفي رواية: قبل أن يفيض بمنى. وفي أخرى: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطيب ما أجد قبل أن يحرم ثم يحرم، حتى أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته، أي بريق الطيب. وفي أخرى قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم. وفي أخرى قال محمد بن المنتشر: سألت عبد الله بن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرمًا، فقال: ما أحب أن أصبح محرمًا أنضح طيبًا، لأن أطلي بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك. فدخلت على عائشة فأخبرتها بقول ابن عمر، فقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرمًا ينضح طيبًا، ينضح أي يفوح. قال المباركفوري: وفيه استحباب التطيب عند إرادة الإحرام، وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام، ولا يضر بقاء لونه ورائحته، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام. وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد، وحكاه الخطابي عن أكثر الصحابة، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف والمحدثين والفقهاء رحمهم الله أجمعين. وأخرج مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ركبًا بالروحاء، فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون. فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله. فرفعت إليهم امرأة صبيًا فقالت: ألهذا حج؟ قال نعم ولك أجر. قال النووي: قال عياض: يحتمل كون هذا اللقاء ليلاً فلم يعرفوه صلى الله عليه وسلم، أو نهاراً لكنهم لم يروه صلى الله عليه وسلم قبل ذلك لعدم هجرتهم، فأسلموا في بلدانهم ولم يهاجروا قبل ذلك. وسيأتي في حديث جابر في حجة الوداع أنه أُذن في الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم حاج، فقدمت المدينة بشر كثير ليأتموا به، فلعل هؤلاء ممن قدم فلم يلقوه إلا هنالك. وفي الحديث حجة للشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء أن حج الصبي منعقد صحيح يثاب عليه، وإن كان لا يجزئه عن حجة الإسلام بل يقع تطوعاً، وهذا الحديث صريح فيه. وقال أبو حنيفة: لا يصح حجه. قال أصحابه: وإنما فعلوه تمريناً له ليعتاده فيفعله إذا بلغ، وهذا الحديث يرد عليهم. وأخرج البخاري عن السائب بن يزيد قال: حج بي أبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن حنين أن ابن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء، فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل رأسه. قال فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستر بثوب، فسلمت عليه فقال: من هذا؟ قلت: أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك ابن عباس يسألك. كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده في الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه: اصبب. فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، فقال: هكذا رأيته يفعل. الأبواء موضع معروف بين مكة والمدينة، وقوله بين القرنين هما قرنا البئر، وهما العضادتان المبنيتان على جانبيها لتعلق عليهما البكرة. وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قالا: قدمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نصرخ بالحج صراخا. وأخرج مالك بسند صحيح عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية عرفة. وفي رواية أن ابن عمر كان إذا أحرم لا يغسل رأسه إلا من احتلام. قال الحافظ ابن حجر: قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية. وقال أكثرهم: يجزئ منه الوضوء. وفي الموطأ أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام، وظاهره أن غسله لدخول مكة كان لجسده دون رأسه. وأخرج البخاري ومسلم عن نافع قال: كان ابن عمر إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته فارحلت ثم ركب. حتى إذا استوت به استقبل القبلة قائماً، ثم يلبي حتى إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي بها الصبح ويغتسل، ويحدث أن النبي الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك. وفي رواية: كان يبيت بذي طوى بين الثنيتين، ثم يدخل من الثنية التي بأعلى مكة، وكان إذا قدم حاجاً أو معتمراً لم ينخ ناقته إلا عند باب المسجد، ثم يدخل فيأتي الركن الأسود فيبدأ به، ثم يطوف سبعاً، ثلاثاً سعياً وأربعاً مشياً، ثم ينصرف فيصلي سجدتين من قبل أن يرجع إلى منزله، فيطوف بين الصفا والمروة، وكان إذا صدر عن الحج والعمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينيخ بها. ذو طوى بفتح الطاء وضمها وكسرها، والفتح أشهر، كان وادياً معروفاً قرب مكة، وقد تجاوزه البنيان من جهة الشمال كثيراً حتى بلغ التنعيم. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد، يعني مسجد ذي الحليفة. وفي رواية: ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره. وفي أخرى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضع رجله في الغرز واستوت به راحلته قائمة أهل من عند مسجد ذي الحليفة. وفي أخرى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب راحلته بذي الحليفة ثم يهل حين تستوي به قائمة. وفي أخرى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبدًا يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لا يزيد على هذه الكلمة. وفي أخرى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات. وكان عبد الله بن عمر يقول: كان عمر بن الخطاب يهل بإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الكلمات، ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك، والرغباء إليك والعمل. قوله ملبدًا أي مسرحًا شعره بشيء من صمغ ليلتصق بعضه ببعض لئلا يشعث ويقمل، وإنما يلبد من يطول مكثه في الإحرام. والغرز هو الركاب إذا كان من جلد، والرغباء هي الرغبة، والإهلال رفع الصوت بالتلبية.