الحديث رقم 146

كتاب الحج · المدة 8:41 · المقطع 6 من 16

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب صفة الحج أخرج البخاري عن ابن عباس قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة بعدما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه، فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد، أي تصبغه بلونها. فأصبح بذي الحليفة وركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه، وقلد بدنه، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع خلون من ذي الحجة، وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، ولم يحل من أجل بدنه لأنه قلدها، ثم نزل بأعلى مكة عند الحجون وهو مهل، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة، وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يقصروا رؤوسهم ثم يحلوا، وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها، ومن كانت معه امرأته فهي له حلال، والطيب والثياب. وفي رواية قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم فأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبالصفا والمروة ثم يحلوا ويحلقوا أو يقصروا. وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: يطوف الرجل بالبيت ما كان حلالا حتى يهل بالحج، فإذا ركب إلى عرفة فمن تيسر له هدية من الإبل أو البقر أو الغنم ما تيسر له من ذلك، أي ذلك شاء، غير أنه إن لم يتيسر له فعليه ثلاثة أيام في الحج، وذلك قبل يوم عرفة، فإن كان آخر يوم من الأيام الثلاثة يوم عرفة فلا جناح عليه. ثم لينطلق حتى يقف بعرفات من صلاة العصر إلى أن يكون الظلام، ثم ليدفع من عرفات إذا أفاضوا منها حتى يبلغ جمعًا، أي مزدلفة، الذي يبات فيه. وفي رواية: الذي يتبرر فيه من طلب البر، ثم ليذكر الله كثيرًا، أو أكثر من التكبير والتهليل، شك الراوي، قبل أن تصبحوا، ثم أفيضوا فإن الناس كانوا يفيضون، وقال الله عز وجل: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم، حتى ترموا جمرة. وأخرج مسلم عن وبرة بن عبد الرحمن قال: كنت جالسًا عند ابن عمر، فجاءه رجل فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟ قال: نعم. قال: فإن ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف. فقال ابن عمر: فقد حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تأخذ، أو بقول ابن عباس إن كنت صادقًا. وفي رواية سأل رجل ابن عمر: أطوف بالبيت وقد أحرمت بالحج؟ فقال: وما يمنعك؟ قال: إني رأيت ابن فلان يكرهه، وأنت أحب إلينا منه، رأيناه قد فتنته الدنيا، أو قال: وأيكم لم تفتنه الدنيا؟ ثم قال: رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، فسنة الله ورسوله أحق أن تتبع من سنة فلان إن كنت صادقًا. قال النووي رحمه الله: هذا الذي قاله ابن عمر رضي الله عنهما هو إثبات طواف القدوم للحاج، وهو سنة ليس بواجب. ووقته قبل الوقوف بعرفات، وبهذا قال العلماء كافة سوى ابن عباس ومن وافقه، فيقولون: واجب يجبر تركه بدم، فإن وقف بعرفات قبله فات، فإن طاف بعد عرفات بنية طواف القدوم وقع عن طواف الإفاضة، ولغت نيته، وليس في العمرة طواف قدوم، بل الطواف فيها ركنها، ولو نواه به طواف القدوم وقع ركناً، كما لو كان عليه حجة واجبة فنوى حجة تطوع فإنها تقع واجبة، والله أعلم. قوله: فتنته الدنيا، أراد أنه تولى البصرة، والولايات محل الفتنة والخطر، وابن عمر لم يتول شيئاً. وأما قول ابن عمر: أأن لم تفتنه، فذلك من تواضعه وإنصافه رضي الله عنهما أجمعين. وقوله: إن كنت صادقاً، أي إن كنت صادقاً في إسلامك واتباعك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج الشيخان عن بكر بن عبد الله المزني رضي الله عنه قال: قال أنس: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعاً. قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: لبى بالحج وحده. فلقيت أنساً فحدثته، فقال أنس: ما تعدوننا إلا صبياناً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك عمرةً وحجاً. ولمسلم قال: أهلَّ بهما، لبيك عمرةً وحجاً. وفي رواية: لبيك بعمرةٍ وحج. قال النووي في شرح مسلم: يحتج بقول أنس من يقول بالقران، وقد قدمنا أن الصحيح المختار في حجة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في أول إحرامه مفرداً، ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارناً. لجمعنا بين الأحاديث أحسن جمع. فحديث ابن عمر هنا محمول على أول إحرامه، وحديث أنس محمول على أواخره وأثنائه، وكأنه لم يسمعه أولًا، ولا بد من هذا التأويل أو نحوه، لتكون رواية أنس موافقة لرواية الأكثرين كما سبق، والله أعلم. وأخرج مسلم عن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، أي متعة الحج. قال: فذكرته لجابر بن عبد الله، فقال على يدي دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله، وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة. زاد في رواية: فافصلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم. وفي رواية له عن مسلم القري قال: سألت ابن عباس عن متعة الحج فرخص فيها، وكان ابن الزبير ينهى عنها. فقال: هذه أم ابن الزبير تحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيها، فادخلوا عليها فاسألوها. قال: فدخلنا عليها فإذا هي امرأة ضخمة عمياء رضي الله عنها، فقالت: قد رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها. قوله: أبت نكاح هذه النساء، أبت لغة في بت، أي يقطع، يقال: بت الأمر وأبته، أي قطعه. واختلف في المتعة التي نهى عنها عمر في الحج، قال النووي والمختار أن عمر وعثمان وغيرهما إنما نهوا عن المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحج ثم الحج من عامه. ومرادهم نهي أولوية للترغيب في الإفراد لكونه أفضل، وقد انعقد الإجماع بعد هذا على جواز الإفراد والتمتع والقران من غير كراهة، وإنما اختلفوا في الأفضل منها. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر أنه كان يسمع أسماء تقول: كلما مرت بالحجون صلى الله على رسوله وسلم، لقد نزلنا معه هاهنا، ونحن يومئذ خفاف الحقائب، قليل ظهرنا، قليلة أزوادنا، فاعتمرنا معه أنا وأختي عائشة ومعنا الزبير وفلان وفلان، فلما مسحنا البيت أحللنا، ثم أهللنا من العشي بالحج. هذا إخبار من أسماء رضي الله عنها عن حجتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وكان المذكورون سوى عائشة محرمين بالعمرة، وهي عمرة الفسخ التي فسخوا الحج إليها. وأخرج مسلم عن أبي ذر قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة. وفي رواية قال أبو ذر: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النساء ومتعة الحج. وفي أخرى قال: إنما كانت لنا رخصة دونكم. قال النووي: قال العلماء: معنى هذه الروايات كلها أن فسخ الحج إلى العمرة كان للصحابة في تلك السنة، وهي حجة الوداع، ولا يجوز بعد ذلك، وليس مراد أبي ذر إبطال التمتع مطلقا، بل مراده فسخ الحج إلى العمرة، وحكمته إبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع العمرة في أشهر الحج.