الحديث رقم 149
نص الحلقة
في باب صفة الحج أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة. فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا بين الركنين ليرى المشركون جلدهم. فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. ولمسلم مختصرًا قال ابن عباس: إنما سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت وبين الصفا والمروة ليري المشركين قوته. وللبخاري قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم لعامه الذي استأمن فيه، قال: ارملوا ليرى المشركون قوتكم، والمشركون من قبل قعيقعان. وأخرج مسلم عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطواف، ومشي أربعة أطواف، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة. فقال: صدقوا وكذبوا. قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة، فقال المشركون: إن محمدًا وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال، وكانوا يحسدونه، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثة ويمشوا أربعة. قلت له: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبًا، أسنة هو؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ. قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا. قُلْتُ: وَمَا قَوْلُكَ صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ، حَتَّى خَرَجَ العَوَاتِقُ مِنَ البُيُوتِ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ، وَالمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ. قوله: صدقوا وكذبوا، أي صدقوا أنه صلى الله عليه وسلم فعله، وكذبوا بقولهم إنه سنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرده سنة دائمة، إنما فعله تلك السنة فقط لإظهار القوة للمشركين. هذا مراد ابن عباس كما جاء في رواية أبي داود. قال النووي: وهذا مذهب ابن عباس، وخالفه جميع العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فقالوا: هو سنة، من تركه فقد ترك سنة. أما قوله: المشي أفضل، فمجمع عليه. والعواتق جمع عاتق، وهي البكر البالغة أو المقاربة للبلوغ، وقيل: التي لم تتزوج. وأخرج البخاري ومسلم عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر أن رجلاً من أهل العراق قال له: سل لي عروة بن الزبير عن رجل يهل بالحج، فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا؟ فإن قال لك: لا يحل، فقل له: إن رجلاً يقول ذلك. قال: فسألته، فقال: لا يحل من أهل بالحج إلا بالحج. فقلت: إن رجلاً كان يقول ذلك. قال: بئس ما قال. فتصداني الرجل، فسألني، فحدثته. قال: فقل له: إن رجلاً كان يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك. وما شأن أسماء أو الزبير فعل ذلك، فذكرت له ذلك، فقال: من هذا؟ فقلت: لا أدري. فقال: فما باله لا يأتيني بنفسه يسألني؟ أظنه عراقياً. قلت: لا أدري. قال: فإنه قد كذب. قد حج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، ثم حج أبو بكر، فكان أول شيء بدأ به الطواف، ثم لم يكن غيره، ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، ثم معاوية وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم يكن غيره، ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها بعمرة، وهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه؟ ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدأون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت، ثم لا يحلون. وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبدآن بشيء أول من البيت تطوفان به، ثم لا تحلان. وقد أخبرتني أمي أنها أقبلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة قط، فلما مسحوا الركن حلوا، وقد كذب فيما ذكر من ذلك، بعمرة قط، بعمرة فقط، فلما مسحوا الركن حلوا، وقد كذب فيما ذكر من ذلك. قوله: تصداني أي تعرض لي. قال النووي: هو في جميع النسخ بالنون، والأشهر في اللغة تصدالي. وقوله: لم يكن غيره، كذا في جميع النسخ. قال النووي: أي لم يغير الحج، أي لم يغير الحج، ولم ينقله، ولم يفسخه إلى عمرة ولا قِران. وقوله: مسح الركن، أي مسح الحجر، والمراد تمام الطواف. وأخرج البخاري ومسلم عن كعب بن عجرة قال: أتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أوقد تحت قدر لي، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى، أتجد شاة؟ قلت: لا. قال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، واحلق رأسك. قال كعب: فنزلت في خاصة، وهي لكم عامة، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك. وفي رواية فقال له: آذاك هوام رأسك؟ قال: نعم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: احلق رأسك، ثم اذبح شاة نسكًا، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين. وفي أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة، وهو محرم، وهو يوقد تحت قدر، والقمل يتهافت على وجهه، ولم يتبين لهم أنهم يحلون بها، وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية، وذكر نحوه. وأخرج مالك والدارقطني والبيهقي في السنن والبغوي بسند صحيح عن ابن عباس قال: من نسي شيئًا من نسكه أو تركه مما بعد الفرائض فليهرق دمًا. قال: أيوب السختياني: لا أدري قال: ترك أم نسي. قال الباجي: النسك ثلاثة أضرب: ضرب ركن، وهو الإحرام والطواف والسعي والوقوف بعرفة، فمن ترك شيئًا منه لم يصح نسكه، وكان عليه إتمامه. ولا يجزئه عنه دم ولا غيره، وضرب ثانٍ وهو واجبات الحج، كالإحرام من الميقات، وطواف الورود، والمبيت بالمزدلفة، والمبيت بمنى ليالي منى، فهذه التي أراد ابن عباس. والضرب الثالث هو المستحبات، كالخروج إلى منى يوم التروية قبل الزوال، وصلاة الظهر والعصر بها، ورمي الجمرتين الأوليين من أعلاهما، والوقوف عندهما، فمن تركها أو نسيها فقد ترك الأفضل، وليس عليه في ذلك دم ولا غيره. انتهى ملخصًا. وأخرج البخاري ومسلم عن حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع. قالت حفصة فقلت: فما يمنعك أن تحل؟ قال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر هديي. وفي رواية أن حفصة قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك؟ قال: إني قلدت هديي ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أحل من الحج. وفي رواية: فلا أحل حتى أنحر.