الحديث رقم 153

كتاب الحج · المدة 8:58 · المقطع 13 من 16

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب صفة الحج وآدابه، أخرج البخاري ومسلم عن حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة أخبره أن أبا بكر بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب، فأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال: فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم مشرك. فكان حميد يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. قوله: يؤذن ببراءة، أي يقرأها على الناس. قال علي رضي الله عنه: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة فخطب، ثم التفت إلي فقال: يا علي، قم فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقمت فقرأت أربعين آية من أول براءة. وقوله: نبذ أبو بكر إلى الناس، أي بلغهم ما أمره به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما تقدم في الحديث: ألا يحج بعد العام مشرك، إلى آخره. وقال ابن حجر: تظافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان: منع حج المشركين، ومنع طواف العريان. وأن عليا أيضا كان ينادي بهما، وكان يزيد: من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم. وأخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. ولمسلم قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت. ولمسلم قال طاوس: كنت مع ابن عباس إذ قال له زيد بن ثابت: تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال له ابن عباس: إما لا، فسلفلانة الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت. وللبخاري أن أهل المدينة سألوا ابن عباس عن امرأة طافت ثم حاضت، قال لهم: تنفر. قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد. قال: إذا قدمتم المدينة فسلوا. فقدموا المدينة فسألوا، فكان فيمن سألوا أم سليم، فذكرت حديث صفية، يعني في الإذن لها بأن تنفر. قوله: يكون آخر عهده بالبيت، أي الطواف بالبيت، طواف الوداع، كما رواه أبو داود عنه، ولفظه: حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: حاضت صفية بعدما أفاضت، فذكرت حيضتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أحابستنا هي؟ قلت: يا رسول الله، إنها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلتنفر. وفي رواية قالت: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفر رأى صفية على باب خبائها كئيبة حزينة؛ لأنها حاضت، فقال: عقرى أو حلقى، لغة قريش، إنك لحابستنا. ثم قال: أكنت أفضت يوم النحر، يعني الطواف؟ قالت: نعم. قال: فانفري إذن. وفي أخرى قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج، فلما قدمنا أمرنا أن نحل، فلما كانت ليلة النفر حاضت صفية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حلقى عقرى، ما أراها إلا حابستنا. ثم قال: كنت طفت يوم النحر؟ قالت: نعم. قال: فانفري. وفي أخرى قالت: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم منها بعض ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله إنها حائض. قال: حابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله، أفاضت يوم النحر. قال: اخرجوا. قوله: عقرى حلقى، أي أصيبت بحلق شعرها وعقر جسمها، وقيل المعنى أنها لشؤمها تعقر قومها وتحلقهم، وظاهره الدعاء وليس بمراد، كقولهم: ثكلتك أمك، وهو منه صلى الله عليه وسلم قربة للمدعو عليه، كما تقدم في حديث لا أشبع الله بطنه. وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والطبراني في الكبير والدارقطني والحاكم والبيهقي في السنن بسند صحيح، عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى. وفي رواية طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار. بهذا الحديث استدل الأكثرون على أن مكة حرسها الله سائر أوطان المسلمين مستثناة، فليس في مكة وقت نهي كما في سائر الأرض غيرها. وأخرج الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم، وفي رواية يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين. وفي رواية قال: ما تركنا استلام هذين الركنين اليماني والحجر في شدة ولا رخاء منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما. وفي أخرى قال نافع: رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت وهو على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر. وأخرج مسلم عن أبي الطفيل رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن. المحجن: عصا معقفة الرأس كالصولجان، من الاحتجان وهو جمع الشيء وضمه إليك. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت، يستلم الحجر بمحجنه، وبين الصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي الشعثاء. جابر بن زيد قال: وَمَنْ يَتَّقِ شَيْئًا مِنَ الْبَيْتِ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ. فَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا. وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ. هَذِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ. وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةُ لَا يَمُرُّ بِرُكْنٍ إِلَّا اسْتَلَمَهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ. فَطُفْتُ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَأَرَادَ الْخُرُوجَ، وَأَرَادَتْ أُمُّ سَلَمَةَ الْخُرُوجَ، وَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ لَهَا: إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ. فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى غَادَرَتْ. اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الطَّوَافِ رَاكِبًا لِعُذْرٍ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ لِغَيْرِ الْمَعْذُورِ، فَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ وَيَجْبُرُهُ بِدَمٍ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَوْلُهُ: لَمْ تُصَلِّ، أَيْ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ. وَقَوْلُهُ: حَتَّى خَرَجَتْ، أَيْ مِنَ الْمَسْجِدِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ. قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ.