الحديث رقم 205
نص الحلقة
في كتاب الأطعمة أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن زهدم الجرمي قال: كنا عند أبي موسى، فقدم طعامه، وقدم في طعامه لحم دجاج، وفي القوم رجل من بني تيم الله أحمر كأنه مولى، فلم يدنُ، فقال له أبو موسى: ادنُ، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منه. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: أنفجنا أرنبًا بمرِّ الظهران، أي أثرناها لنصيدها، فسعى القوم فلغبوا، فسعيت حتى أدركتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، فبعث بوركيها أو قال بفخذيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله. قال هشام بن زيد بن أنس: قلت: وأكل منه؟ قال: وأكل منه. مر الظهران موضع قرب مكة، وقوله: لغبوا، أي تعبوا وزنًا ومعنى. قال ابن حجر: وفي الحديث جواز استثارة الصيد والعدو في طلبه، وفيه إهداء الشيء اليسير لكبير القدر إذا عُلِم من حاله الرضا بذلك، وفيه أن ولي الصبي يتصرف فيما يملكه الصبي بالمصلحة. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات أو ستًا، وكنا نأكل معه الجراد. وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم. والبيهقي في الشعب، والبغوي رحمهم الله بسند الحسن عن المقدام بن معدي كرب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطن، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه. قوله أكلات بضمتين جمع أكلة، كلقمة لفظًا ومعنى. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المسلم يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء. وللبخاري أن رجلًا كان يأكل كثيرًا فأسلم، فكان يأكل أكلًا قليلًا، فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن المؤمن يأكل في معي واحد، وإن الكافر يأكل في سبعة أمعاء. المعي والمعي واحد الأمعاء. وأخرج البخاري ومسلم عن نافع قال: كان ابن عمر لا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه، فأدخلت إليه رجلًا يأكل معه فأكل كثيرًا، فقال: يا نافع لا تدخل هذا علي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المسلم يأكل في معي واحد، والكافر أو المنافق يأكل في سبعة أمعاء. وللبخاري قال: كان أبو نهيك رجلًا أكولًا، فقال له ابن عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء. قال: فَأَنَا أُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. ولمسلم: رأى ابن عمر مسكينًا فجعل يضع بين يديه ويضع بين يديه، قال: وجعل يأكل أكلًا كثيرًا، فقال: لا يدخلن هذا علي. وذكر الحديث. أبو نهيك، بفتح النون وكسر اللام والكاف. قال ابن حجر: قوله فَأَنَا أُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، في رواية الحميدي فقال الرجل: أنا أؤمن بالله، إلى آخره. ومن ثم أطبق العلماء على حمل الحديث على غير ظاهره. فقيل: المراد زهد المؤمن في الدنيا ورغبة الكافر فيها. وقيل: الحديث ورد في كافر بعينه. قال ابن عبد البر: لا سبيل إلى حمله على العموم؛ لأن المشاهدة تدفعه، فكم كافر يكون أقل أكلًا من مؤمن، وكم كافر أسلم فلم يتغير مقدار أكله. وقال ابن الأثير: والأوجه أن يكون هذا تحضيضًا للمؤمن على قلة الأكل. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن جبلة بن سحيم قال: سمعت ابن عمر يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرن الرجل بين التمرتين حتى يستأذن أصحابه. وفي رواية قال: كان ابن الزبير يرزقنا التمر، وقد كان أصاب الناس يومئذ جهد، وكنا نأكل، فيمر علينا ابن عمر ونحن نأكل، فيقول: لا تقارنوا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الإقران إلا أن يستأذن الرجل أخاه. قال شعبة: لا أرى هذه الكلمة إلا من كلمة ابن عمر، يعني الاستئذان. قوله يرزقنا التمر أي يعطيناه لما كان خليفة، والإقران هكذا في أصول مسلم، والمعروف في اللغة القِران، يقال قارن بينهما، يقرن ويقرن أي جمع بينهما، ورواية البخاري لا تقرنوا. قال النووي: واختلفوا هل النهي للتحريم أو للكراهة، فنقل القاضي عياض عن أهل الظاهر أنه للتحريم، وعن غيرهم أنه للكراهة، والصواب التفصيل، فإن كان الطعام مشتركًا بينهم فالقِران حرام إلا برضاهم، وإن كان الطعام لغيرهم أو لأحدهم اشترط رضاه وحده، ويستحب أن يستأذن الآكلين معه، ولا يجب، وإن كان الطعام لنفسه وقد ضيفهم به فلا يحرم عليه القِران، ثم إن كان في الطعام قلة فحسن ألا يقرن لتساويهم، وإن كان كثيرًا فلا بأس بقرانه، لكن الأدب مطلقًا التأدب في الأكل وترك الشره إلا أن يكون مستعجلًا ويريد الإسراع لشغل آخر كما سبق في حديث أنس. وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجوع أهل بيت عندهم التمر. وفي رواية: بيت لا تمر فيه جياع أهله أو جاع أهله. قالها مرتين أو ثلاثًا. قال النووي: فيه فضيلة التمر، وجواز الادخار للعيال والحث عليه. وأخرج مسلم عن عبد الله بن بسر قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي. فقربنا إليه طعامًا وطبة، فأكل منها، ثم أتي بتمر فكان يأكله، ويلقي النوى بين أصبعيه، ويجمع السبابة والوسطى، ثم أتي بشراب فشربه، ثم ناوله الذي عن يمينه. فقال أبي أخذ بلجام دابته: ادع الله لنا. فقال: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم. قوله طعام وطبة، الوطبة الحيس، يجمع بين التمر البرني منزوع النوى، والأقط المدقوق، والسمن الجيد. وأخرج مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهله الإدام، فقالوا: ما عندنا إلا الخل. فدعا به فجعل يأكل به ويقول: نعم الإدام الخل، نعم الإدام الخل. وفي رواية قال جابر: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ذات يوم إلى منزله، فأخرج إليه فلقًا من خبز، فقال: ما من أدم؟ فقالوا: لا، إلا شيء من خل. قال: فإن الخل نعم الأدم. قال جابر: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبي الله صلى الله عليه وسلم. قال طلحة بن نافع: وما زلت أحب الخل منذ سمعتها من جابر. وفي أخرى قال: كنت جالسًا في داري، فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إلي فقمت إليه، فأخذ بيدي فانطلقنا حتى أتى بعض حجر نسائه، فدخل ثم أذن لي فدخلت الحجاب عليها، فقال: هل من غداء؟ قالوا: نعم. فأتي بثلاثة أقرصة من شعير، فوضعنا على نبي، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرصًا فوضعه بين يديه. وأخذ قرصًا آخر فوضعه بين يديه، ثم أخذ الثالث فكسره باثنين، فجعل نصفه بين يديه ونصفه بين يديه، ثم قال: هل من إدام؟ قالوا: لا إلا شيء من خل. قال: فهاتوه، فنعم الإدام هو. الإدام بالكسر، والأُدْم بضم أوله وسكون ثانيه، ما يؤتدم به مع الخبز أي شيء كان. وجمع الإدام أُدُم ككتاب وكتب، وجمع الأُدم آدام كقفل وأقفال. وقوله: دخلت الحجاب عليها، أي دخلت إلى مكانها، وليس فيه أنه رأى بشرتها. وقوله: وضعنا على نبي مشددًا غير مهموز، قال النووي: هكذا هو في أكثر الأصول، وفسروه بمائدة من خوص. وقال ابن الأثير: نبيء الشيء المرتفع من النباوة والنبوة، أي الارتفاع، ورواه بعضهم بضم الباء وبعدها نون مكسورة مشددة. قال القاضي: الكناني هذا هو الصواب، بني، وهو طبق من خوص. وقوله: فلق جمع فلقة، أي كسرة. قال النووي: وفيه استحباب الحديث على الأكل تأنيسًا للآكلين.