الحديث رقم 206
نص الحلقة
في كتاب الأطعمة أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها. وفي رواية: من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب. قال النووي: لا خلاف في أنه مأمور به، ولكن هل هو أمر إيجاب أو ندب؟ نقل القاضي اتفاق العلماء على وجوب الإجابة في وليمة العرس. قال: واختلفوا فيما سواها، فقال الجمهور: لا تجب الإجابة، وقال أهل الظاهر: تجب الإجابة إلى كل دعوة من عرس وغيره، وبه قال بعض السلف. وأما الأعذار التي يسقط بها وجوب الإجابة وندبها، فمنها أن يكون في الطعام شبهة، أو يخص بها الأغنياء، أو يكون هناك من يتأذى بحضوره معه، أو لا تليق به مجالسته، أو يدعوه لخوف شره، أو لطمع في جاهه، أو ليعاونه على باطل، أو يكون هناك منكر من خمر أو لهو أو فرش حرير أو صور حيوان غير مفروشة، أو آنية ذهب أو فضة، فكل هذه أعذار في ترك الإجابة. ومن الأعذار أن يعتذر إلى الداعي فيتركه، ولو دعاه ذمي لم تجب إجابته على الصحيح. أما الأكل فلا يلزم كما سيأتي. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا دعي أحدكم فليجب. فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ. وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ. قوله فليصل، قال الجمهور: معناه فليدعُ لأهل الطعام. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك. وأخرج البخاري ومسلم عن نافع قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم. قال: وكان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وغير العرس، ويأتيها وهو صائم. وفي رواية: إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا. ولمسلم: إذا دعا أحدكم أخاه فليجب، عرسًا كان أو نحوه. وفي أخرى له: من دُعي إلى عرس أو نحوه فليجب. الكراع من البقر والغنم، مستدق الساق العاري من اللحم. وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو دُعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أُهدي إليَّ ذراع أو كراع لقبلت. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: شر الطعام طعام الوليمة، يُمنعها من يأتيها، ويُدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله. وله وللبخاري عن الأعرج أن أبا هريرة كان يقول: شر الطعام طعام الوليمة. يُدعى لها الأغنياء ويُترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله. وأخرج الشيخان عن أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله عنه قال: كان رجل من الأنصار يقال له أبو شعيب، وكان له غلام لحام، وفي رواية قصاب، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف في وجهه الجوع، فقال لغلامه: ويحك، اصنع لنا طعامًا لخمسة نفر، فإني أريد أن أدعو النبي صلى الله عليه وسلم خامس خمسة. فصنع، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فدعاه خامس خمسة، فاتبعهم رجل، فلما بلغ الباب قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا اتبعنا، فإن شئت أن تأذن له، وإن شئت رجع. قال: بل آذن له يا رسول الله. بوّب عليه مسلم بقوله: باب ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه صاحب الطعام، واستحباب إذن صاحب الطعام للتابع. واللحام هو بائع اللحم، والقصاب من قولهم: قصبت الشاة قصبًا، أي قطعتها عضوًا عضوًا. قال ابن حجر: ينبغي أن يكون هذا الحديث أصلًا في جواز التطفيل، يعني عمل الطفيليين وحضورهم الطعام بلا دعوة، لكن يقيد بمن يحتاج إليه، ويستحب للداعي أن يدعو خواص المدعو معه، كما فعل أبو شعيب، بخلاف الفارسي في الحديث الآتي، فلذلك امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الإجابة إلا أن يدعو عائشة معه، وفيه إجابة الإمام والكبير دعوة من دونه. وفيه أن تعاطي حرفة الجزارة ونحوها لا يضع قدر ما يتوقع فيها ما يكره. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن خياطًا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه. قال أنس: فذهبت معه صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام، فقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزًا من شعير ومرقًا فيه دباء وقديد. فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي الصحفة، فلم أزل أحب الدباء من يومئذ. الدباء: القرع، والقديد: اللحم المقدد المملوح المجفف في الشمس. وأخرج مسلم عن أنس أن جارًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارسيًا كان طيب المرق، فصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا، ثم جاء يدعوه، فقال: وهذه لعائشة؟ فقال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. فعاد يدعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه؟ قال: لا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه؟ قال: نعم، في الثالثة. فقاما يتدافعان إلى منزله. قال النووي: قالوا لعل الفارسية إنما لم يدع عائشة أولًا لكون الطعام قليلًا، فأراد توفيره على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث جواز أكل المرق والطيبات. وأخرج البخاري عن أبي عثمان النهدي قال: تضيفت أبا هريرة سبعًا، فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثًا، يصلي هذا ثم يوقظ هذا. وسمعته يقول: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بين أصحابه تمراً، فأعطى كل إنسان سبعاً، وأعطاني سبعاً، إحداهن حشفة، فكانت تعجبهن إلي لأنها شدت في مضاغي. وفي رواية: فأعطى كل إنسان منا خمسة خمسة، أربعة تمرات وواحدة حشفة. قال: ورأيت الحشفة أشدهن لضرسي. قوله: تضيفت أبا هريرة، أي نزلت به ضيفاً. وزوجة أبي هريرة هي بسرة بنت غزوان، صحابية جليلة، وهي أخت عتبة بن غزوان الصحابي الجليل أمير البصرة. والمضاغ هو ما يمضغ، وقيل هو المضغ نفسه، ومراده أنها كانت فيها قوة عند مضغها فطال مضغه لها كالعلك. والحشف أردأ التمر، وهو الذي يبس برؤوس النخل قبل تمام نضجه.