الحديث رقم 399
نص الحلقة
في كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أحدثكم حديثًا عن الدجال ما حدث به نبي قومه؟ إنه أعور، وإنه يجيء بمثال الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار، وإني أنذركم به كما أنذر به نوح قومه. وأخرج الشيخان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم عز وجل ليس بأعور، مكتوب بين عينيه ك ف ر. ولمسلم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: الدجال مكتوب بين عينيه ك ف ر، أي كافر. وفي أخرى له قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدجال ممسوح العين، مكتوب بين عينيه كافر، ثم تهجاها: ك ف ر، يقرؤه كل مسلم. قال النووي: الصحيح الذي عليه المحققون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقية جعلها الله آيةً وعلامةً من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه، ويظهرها الله تعالى لكل مسلم كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته، ولمتناع في ذلك. وأخرج الشيخان عن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. إنما الدجال إذا خرج ماء ونار، فأما الذي يرى الناس أنه نار فماء بارد، وأما الذي يرى الناس أنه ماء فنار تحرق، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى أنه نار، فإنه ماء عذب بارد. ولمسلم قال صلى الله عليه وسلم: لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان، أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج، فإما أدركن أحد فليأت النهر الذي يراه نارًا، وليغمض ثم ليطأطئ رأسه فليشرب منه، فإنه ماء بارد، وإن الدجال ممسوح العين، عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب. وفي أخرى له قال: الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار. قوله: فإما أدركن أحد، هكذا هو في أكثر النسخ، وفي بعضها أدركه أحد، والظفرة بالتحريك جلدة أو لحمة تغشى العين ناتئة من الجانب الذي يلي الأنف. وقوله: أعور العين اليسرى، قد سبق أنه أعور العين اليمنى في حديث ابن عمر في باب أحكام الحج، وأنه ممسوح إحدى عينيه. قال ابن حجر: قوله أعور العين اليمنى قد اتفق عليه من حديث ابن عمر، أي البخاري ومسلم، فيكون أرجح، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر، لكن جمع بينهما القاضي عياض. فقال: تُصحَّح الروايتان معًا بأن تكون المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة بالهمز، أي التي ذهب ضوؤها، وهي العين اليمنى، كما في حديث ابن عمر. وتكون الجاحظة التي كأنها كوكب، وكأنها نخاعة في حائط، هي الطافية بلا همز، وهي العين اليسرى، كما جاء في الرواية الأخرى. وعلى هذا فهو أعور العين اليمنى واليسرى معًا، فكل واحدة منهما عوراء، أي معيبة، فإن الأعور من كل شيء المعيب، وكلا عيني الدجال معيبة، فإحداهما معيبة بذهاب ضوئها حتى ذهب إدراكها، والأخرى بنتوئها. انتهى. قال النووي: هو في نهاية الحسن، وقوله: شعر جفال، أي كثير ملتف، وقوله: معه جنة ونار، قال العلماء: هذا من جملة فتنته التي امتحن الله تعالى بها عباده ليحق الحق ويبطل الباطل ثم يفضحه، ويظهر للناس عجزه. وأخرج أحمد والبخاري في التاريخ وابن حبان والضياء في المختارة بسند صحيح عن أبي بن كعب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الدجال عنده، فقال: عينه خضراء كالزجاجة، وفي رواية: إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء، وتعوذ بالله من عذاب القبر. وأخرج مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة. أصبهان بفتح الهمزة وكسرها، وبالباء والفاء. قال القاري: ونسخ المشكاة كلها بالفاء. والطيالسي جمع طيلسان، مثلثة اللام، وهو رداء مربع غليظ يلبس على الكتفين أو الرأس، خالٍ من التفصيل والخياطة. قال القاري: واستدل بهذا الحديث على ذم لبسه. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يأتي المسيح من قبل المشرق، همته المدينة، حتى ينزل دبر أحد، ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام، وهناك يهلك. وأخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررنا بالصبيان يلعبون فيه ابن صياد، ففر الصبيان وجلس ابن صياد، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: تربت يداك، أتشهد أني رسول الله؟ فقال: لا، بل تشهد أني رسول الله. فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله حتى أقتله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يكن الذي ترى فلن تستطيع قتله. وفي رواية قال: كنا نمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر بابن صياد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد خبأت لك خبيئًا. فقال: دخ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخسأ، فلن تعدو قدرك. فقال عمر: يا رسول الله، دعني فأضرب عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه، فإن يكن الذي تخاف فلن تستطيع قتله. والبخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن صياد: قد خبأت لك خبيئًا، فما هو؟ قال: الدخ. قال: اخسأ. قال النووي: الصحيح المشهور أنه صلى الله عليه وسلم أضمر له آية الدخان، وهي قوله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ. قال القاضي: وأصح الأقوال أنه لم يهتد من الآية إلا لهذا اللفظ الناقص على عادة الكهان، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: اخسأ فلن تعدو قدرك، أي القدر الذي يدرك الكهان من الاهتداء إلى بعض الشيء، ولا يصل إلى بيان أمور الغيب. وقوله: اخسأ بفتح السين وسكون الهمزة، زجر وازتهانة، أي امكث صاغرًا أو ابعد حقيرًا. يقال: خسأت الكلب، أي أبعدته وطردته. والخاسئ: الصاغر المبعد المطرود.