الحديث رقم 405
نص الحلقة
في كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة، أخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة. قال ابن المديني: الغرب الدلو، والمراد العرب لاختصاصهم بها غالبًا، وقيل المراد الغرب من الأرض، وقيل المراد أهل الشام لأنهم غرب الحجاز، وقيل المراد بالغرب الحدة والشوكة، وغرب كل شيء حدته، فهو يريد أهل الجهاد. وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لن يبرح هذا الدين قائمًا يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة. وأخرج مسلم عن موسى بن علي عن أبيه قال: قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس. فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا أربعًا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة عند مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك. وفي رواية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس. قال: فبلغ ذلك عمرو بن العاص، فقال: ما هذه الأحاديث التي تُذكر عنك أنك تقولها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال المستورد: قلتُ الذي سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمرو: لَئِن قلتَ ذلك، إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأجبر الناس عند مصيبة، وخير الناس لمساكينهم وضعفائهم. قال النووي: قوله: وأجبر الناس عند مصيبة، هكذا في معظم الأصول بالجيم، وكذا نقله القاضي عن رواية الجمهور، وفي رواية بعضهم: وأصبر بالصاد. قال القاضي: والأول أولى لمطابقة الرواية الأخرى، قوله: وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي، يريد عوافي السباع والطير، وآخر من يُحشر راعيان من مزينة، يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشًا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما. العوافي جمع عافية، وهي كل طالب للقوت من الدواب والطير، وقوله: ينعقان أي يصيحان، وقوله: يجدانها وحشًا أي يجدان المدينة خالية موحشة ليس بها أحد، يقال أوحش المكان، ومكان وحش إذا كان خاليًا موحشًا. قال النووي: الصحيح أن معناه يجدانها ذات وحوش، قال: وقد يكون وحشًا بمعنى وحوش، وقد يُعبر بواحده عن جمعه، وقال ابن المرابط: معناه أن غنم الراعيين تصير وحوشًا. قال النووي: الظاهر خلافه، والصواب الأول. وقال القرطبي: القدرة صالحة لذلك. وقال ابن حجر: ويؤيده أنهما وجدا التوحش المذكور قبل دخول المدينة، فيقوى أن الضمير يعود على غنامهما، وكأن ذلك من علامات قيام الساعة. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يُحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين، راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا. الطرائق جمع طريقة، وقوله راغبين راهبين في رواية: وراهبين بواو، وعلى الروايتين فهي الطريقة الأولى، وقوله واثنان على بعير وثلاثة على بعير هذه هي الطريقة الثانية، وقوله وتحشر بقيتهم النار هذه هي الطريقة الثالثة. وهذه النار هل المذكورة في حديث حذيفة بن أسيد، وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس، وفي رواية تطرد الناس إلى محشرهم. قال الخطابي: هذا الحشر يكون قبل قيام الساعة، تحشر الناس أحياء إلى الشام، وأما الحشر من القبور إلى الموقف فهو على خلاف هذه الصورة، وإنما هو على ما ورد في حديث ابن عباس: حفاة عراة مشاة. قال: وقوله واثنان على بعير وثلاثة على بعير إلى آخره يريد أنهم يعتقبون البعير الواحد، يركب بعض ويمشي بعض. قال ابن حجر: والاعتقاب ليس مجزوماً به، ولا مانع أن يجعل الله في البعير ما يقوى به على حمل العشرة. وجمع غيره بأنهم يخرجون من القبور بالوصف الذي في حديث ابن عباس، ثم يفترق حالهم منها إلى الموقف على ما في حديث أبي هريرة، ويؤيده حديث أبي ذر عند أحمد وغيره. أن الناس يُحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج: فوج طاعمين كاسين راكبين، وفوج يمشون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم، وصوب عياض ما ذهب إليه الخطابي. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والنسائي والطبراني في الكبير والحاكم رحمهم الله جميعًا بسند حسن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول الله، أين تأمرني؟ خِرْ لي. فقال بيده نحو الشام. وفي رواية قال: ها هنا، ونحا بيده نحو الشام، وقال: إنكم محشورون رجالًا وركبانًا، وتجرون على وجوهكم. قوله خِرْ لي، أي اختر لي أصلح الأمرين.