الحديث رقم 5
نص الحلقة
في كتاب ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عندي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال عليَّ فكلته ففني. وأخرج الشيخان عنها قالت: كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارًا، إنما هو التمر والماء إلا أن يؤتى باللحيم. وفي رواية قالت: ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام ثلاثة ليال تباعًا حتى قبض. وفي أخرى قالت: ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي أخرى قالت: ما أكل آل محمد أكلتين في يوم واحد إلا وإحداهما تمر. وفي أخرى كانت تقول لعروة: والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. قال قلت: يا خالة، فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح، فكانوا يرسلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانها فيسقينا. ولمسلم قالت: لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم. وَمَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَزَيْتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَهَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ، وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ إِلَّا صَاعٌ وَلَا أَمْسَى، وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ. وَالْإِهَالَةُ مَا أُذِيبَ مِنَ الشَّحْمِ، وَقِيلَ هُوَ الدَّسَمُ الْجَامِدُ، وَهِيَ بَشِعَةٌ فِي الْحَلْقِ، وَالسَّنِخَةُ هِيَ مُتَغَيِّرَةُ الرِّيحِ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ فَيُقَدِّمُ إِلَيْنَا الطَّعَامَ، وَيَقُولُ أَنَسٌ: كُلُوا، فَمَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ. رَغِيفًا مُرَقَّقًا أَيْ لَيِّنًا وَاسِعًا، وَالشَّاةُ السَّمِيطُ هِيَ الْمَشْوِيَّةُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَقَدِ اسْتَبْرَأَ الْخَبَرَ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ، عُرْيٌ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ. وهو يقول: لم تراعوا، لم تراعوا، وإن وجدناه لبحرًا، وكان فرسه يبطأ، فما سبق بعد ذلك اليوم. وفي أخرى مختصرًا قال: استقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم على فرس عري ما عليه سرج، في عنقه سيف. وللبخاري أن أهل المدينة فزعوا مرة، فركب النبي صلى الله عليه وسلم فرسًا لأبي طلحة كان يقطف، أو كان به قطاف، أي ضيق في خطوه وسرعة في مشيه، فلما رجع قال: وجدنا فرسكم هذا بحرًا، وكان بعد لا يجارى. وله في أخرى قال: فزع الناس، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلفه، فقال: لم تراعوا، إنه لبحر، فما سبق بعد ذلك اليوم. قوله: بحر، يقال للفرس بحر إذا كان سريع الجري، أو لا ينفد جريه فهو كالبحر. وأخرج مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ولد لي الليلة غلام، فسميته باسم أبي إبراهيم، ثم دفعه إلى أم سيف، امرأة قين يقال له أبو سيف، فانطلق يأتيه واتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره، وقد امتلأ البيت دخانًا، فأسرعت المشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا أبا سيف أمسك، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسك. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالصبي فضمه إليه، وقال ما شاء الله أن يقول. وفي رواية قال: ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان إبراهيم مسترضعًا له في عوالي المدينة، وكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت وإنه ليدخن، وكان ظئره قينًا، فيأخذه فيقبله ثم يرجع. والقين الحداد، والكير منفاخ الحداد. وعوالي المدينة قرى شرق المدينة، والظئر هي المرضعة، المرضعة ولد غيرها، وزوجها ظئر للرضيع، وقوله يدخن أي يرتفع دخانه. وأخرج البخاري عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لابن أبي أوفى: أرأيت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، مات صغيرًا، ولو قضي أن يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي عاش ابنه، ولكن لا نبي بعده. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: حدثني أبو سفيان قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب من النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، قال: وكان دحية الكلبي جاء به، فدفعه إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل، فقال هرقل: هل هاهنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قالوا: نعم، فدعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه. فقال أيكم أقرب نسبًا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقلت أنا. فأجلسوني بين يديه وأجلسوا أصحابي خلفي، ثم دعا بترجمانه، فقال: قل لهؤلاء النساءلون هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه. قال أبو سفيان: ويم الله لولا أن يؤثر علي الكذب لكذبته. ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو حسب. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يتبعه أشراف الناس أو ضعفاؤهم؟ قلت: لا، بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: لا، بل يزيدون. قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطةً له؟ قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالًا، يصيب منا ونصيب منه. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في هذه المدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: والله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه. قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قلت: لا. ثم قال لترجمانه: قل له إني سألتك عن حسبه فيكم فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تُبعث في أحساب قومها. وسألتك هل كان من آبائه ملك فزعمت أن لا، فقلت لو كان من آبائه ملك، قلت رجل يطلب ملك آبائه. وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم، فقلت بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمتَ ألا، فعرفتُ أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله. وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطةً له؟ فزعمتَ ألا، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب. وسألتك هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمتَ أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم. وسألتك هل قاتلتموه؟ فزعمتَ أنكم قاتلتموه، فتكون الحرب بينكم وبينه سجالًا، ينال منكم وتنالون منه. وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة. وسألتك هل يغدر؟ فزعمتَ أنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمتَ ألا. فقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله، قلت رجل ائتم بقول قيل قبله. ثم قال: بما يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة. قال: إن يكن ما تقول حقًّا فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكُ أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، ولا يبلغن ملكه ما تحت قدمي. ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم. وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين. ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون. فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط، وأمر بنا فأخرجنا، فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقنًا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام. قوله بدعاية الإسلام أي دعوة الإسلام، والأريسيون قيل الخدم والأتباع، وقيل الفلاحون، وأبو كبشة رجل من خزاعة كان خالف قريشًا في عبادة الأوثان، فلما خالفهم النبي صلى الله عليه وسلم شبهوه به، وقيل كان جد النبي صلى الله عليه وسلم.