الحديث رقم 11
نص الحلقة
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود، فجمعوا له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقيَّ عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أبوكم؟ قالوا: فلان. قال: كذبتم، بل أبوكم فلان. قالوا: صدقت وبررت. فقال: هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. قال لهم: من أهل النار؟ قالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفوننا فيها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا. قال: هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم. قال: هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟ قالوا: نعم. قال: فما حملكم على هذا؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك. وأخرج الشيخان عن أنس أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك. فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك، أو قال: علي. قالوا ألا نقتلها؟ قال لا. قال فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله ما كان الله ليسلطك علي فيه بيان عصمته صلى الله عليه وسلم، واللهوات جمع لهاة، وهي الهنة التي في أقصى الفم. وقوله ما زلت أعرفها كأنه بقي للسم علامة أو أثر من سواد وغيره. وفي رواية ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بن معرور، وكان أكل منها فمات بها، فقتلوها. قال ابن سحنون: أجمع أهل الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلها. قال القاضي: وجه الجمع بين هذه الروايات أنه لم يقتلها أولاً حين قيل له اقتلها، فلما مات بشر بن البراء من ذلك سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصاً. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والدارقطني والبيهقي في السنن بسند حسن عن عاصم بن كليب عن أبيه، عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على القبر يوصي الحافر، يقول: أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه. فلما رجع استقبله دائم امرأة، وفي رواية: دائم امرأة من قريش، فأجاب ونحن معه، وجيء بالطعام فوضع يده، ثم وضع القوم فأكلوا، فنظرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. يلوك لقمةً في فمه، ثم قال: أجد لحم شاة أُخذت بغير إذن أهلها. فأرسلت المرأة تقول: يا رسول الله، إني أرسلت إلى النقيع، وهو موضع يُباع فيه الغنم، ليُشترى لي شاة، فلم توجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إلي بها بثمنها، فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته، فأرسلت إلي بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطعمي هذا الطعام الأسرى. النقيع بالنون موضع بشرق المدينة كان يستنقع فيه الماء. وقوله: يلوك لقمةً، أي يمضغها. وقوله: أطعمي هذا الطعام الأسرى، قال الطيبي: وهم كفار، وذلك أنه لما لم يوجد صاحب الشاة ليستحل منه، وكان الطعام في صدد الفساد، ولم يكن بد من إطعام هؤلاء، فأمر بإطعامهم. قال القاري: وقد لزمها قيمة الشاة بإتلافها، وقع هذا تصدقًا عنها. وأخرج البخاري ومسلم عن جابر قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزاةً قِبَل نجد، فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القائلة في وادٍ كثير الإضاة، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، فعلق سيفه بغصن من أغصانها، وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، ونمنا نومةً، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، فقال: إن رجلًا أتاني وأنا نائم. فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، والسيف صلتًا في يده، فقال: من يمنعك مني؟ قلت: الله. فشام السيف، فها هو ذا جالس، ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبه، وكان ملك قومه، فانصرف حين عفا عنه، فقال: لا أكون في قوم هم حرب لك. العضاه: كل شجر يعظم وله شوك، كالطلح والسمر والسلم والسدر، وقوله شام السيف هو من الأضداد، أي رده في غمده أو سله، والمراد هنا أغمده. وفي الحديث بيان عصمة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، وجواز المن على الكافر الحربي وإطلاقه، والعفو، والحلم، ومقابلة السيئة بالحسنة. وأخرج الشيخان عن أنس قال: كان منا من بني النجار رجل نصراني أسلم، فقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم، فعاد نصرانيًا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعله آية. فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له وأعمقوا ما استطاعوا، فأصبحوا وقد لفظته الأرض، فقالوا مثل الأول، فحفروا له وأعمقوا، فلفظته الثالثة. فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هل ترون قبلتي هاهنا؟ والله ما يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم، وإني لأراكم من وراء ظهري. وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن. وأخرج البخاري عن جابر بن عبد الله قال: كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جذع في قبلته يقوم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته. وفي رواية: كان المسجد مسقوفاً على جذوع من نخل، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها. فلما صنع له المنبر فكان عليه، سمعنا للجذع صوتاً كصوت العشار، أي النوق الحوامل، حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم ووضع يده عليه فسكن. وفي أخرى أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أجعل لك شيئاً تقعد عليه، فإن لي غلاماً نجاراً. قال: إن شئت. فعملت له المنبر. فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صنع له، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت تنشق. وفي أخرى: فصاحت النخلة صياح الصبي. فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت. قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر. وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع فأتاه فمسح بيده عليه. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسن وكبر قيل: ألا نتخذ لك منبرًا؟ وذكر الحديث، وفيه: فنزل إليه فاحتضنه صلى الله عليه وسلم.