الحديث رقم 18

كتاب ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم · المدة 10:24 · المقطع 18 من 20

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

أخرج مسلم عن عائشة قالت: إن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال، وإني والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيه إلا صنعته. وفي رواية قال: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ. قال: وأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس، فغلبه عليها علي، وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر، وقال: هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر. قال: فهما على ذلك إلى اليوم. وفي رواية أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المال، وإني والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا أعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئًا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك. قال: فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر. فلما توفيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلًا، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها علي، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة. فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر. فقال رجل للزهري: فلم يبايعه علي ستة أشهر؟ فقال: لا والله، ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي. فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر، فأرسل إلى أبي بكر: ائتنا ولا تأتنا معك بأحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر. فقال: لا تأتهم وحدك. فقال أبو بكر: والله لآتينه وحدي، ما عسى أن يصنعوا بي. فانطلق أبو بكر فدخل على علي، وقد جمع بني هاشم عنده، فقام علي فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فلم يمنعنا عن مبايعتك يا أبا بكر إنكارًا لفضيلتك، ولا نفاسةً عليك بخير ساقه الله إليك، ولكن كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقًا فاستبددتم علينا. ثم ذكر قرابته من رسول الله وحقهم، فلم يزل علي يذكره حتى بكى أبا بكر. وصمت علي، فتشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فوالله لقرابة رسول الله أحب إلي أن أصلها من قرابتي، وإني والله ما ألوت في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم عن الخير، ولكنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال، وإني والله لا أدع أمراً صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صنعته إن شاء الله. وقال علي: موعدك للبيعة العشية. فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس يعذر علياً ببعض ما اعتذر به، ثم قام علي فعظم من حق أبي بكر، وذكر فضيلته وسابقته، ثم قام إلى أبي بكر فبايعه، فأقبل الناس على علي فقالوا: أصبت وأحسنت، وكان المسلمون إلى علي قريباً حين راجع الأمر المعروف، رضي الله عنهم أجمعين. وأخرج البخاري عن عمرو بن الحارث أخي أم المؤمنين جويرية بنت الحارث قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمةً ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة أن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أردنا أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نورث. ما تركنا صدقة. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة. وفي رواية أنه قال: لا نورث، ما تركنا صدقة. وأخرج الشيخان عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: أرسل إليَّ عمر، فجئته حين تعالى النهار، فوجدته في بيته جالسًا على سرير مفضيًا إلى رماله، متكئًا على وسادة من أدم، فقال لي: يا مال، إنه قد دف أهل أبيات من قومك، وقد أمرت فيهم برضخ، أي عطاء قليل، فخذه فاقسمه بينهم. قلت: لو أمرت به هذا غيري. قال: فخذه يا مال، يعني يا مالك. قال: فجاء حاجبه يرفأ، فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد يستأذنون؟ قال: نعم. فأذن لهم فدخلوا فسلموا وجلسوا، ثم جلس يرفأ يسيرًا، ثم قال: هل لك في عباس وعلي؟ قال: نعم. فأذن لهما. فقال العباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا، وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من مال بني النضير. فقال الرهط، عثمان وأصحابه: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما وأرحهما. قال مالك بن أوس: فخيل إليَّ أنهم قد كانوا قدموهم لذلك. فقال عمر: تيدكم، أي اتئدوا، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث، ما تركنا صدقة؟ قالوا: نعم. ثم أقبل على العباس وعلي، فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث، ما تركنا صدقة؟ قالا: نعم. قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر. إن الله قد خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره. ثم قرأ: وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ إلى قوله: قَدِيرٌ. فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، قد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يجعل ما بقي مجعل مال الله. فعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حياته. أنشدكم بالله أتعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم نشد عباسًا وعليًا بمثل ما نشد به القوم: أتعلمان ذلك؟ قالا: نعم. قال: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم. زاد في رواية: فجئتما تطلبان ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها. فقال أبو بكر: قال رسول الله: لا نورث، ما تركنا صدقة. فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله يعلم إنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق. ثم توفي أبو بكر وأنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما عمل فيها أبو بكر. والله يعلم إني فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتني أنت وهذا وأنتما جميع، وأمركما واحد، فقلتم ادفعها إلينا، فقلت إن شئتم دفعتها إليكم على أن عليكم عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما عمل فيها أبو بكر، وبما عملت فيها منذ وليتها. فقلت ما ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما، فأشهدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم. ثم أقبل على علي وعباس فقال: أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا: نعم. قال: فتلتمسان مني قضاءً غير ذلك؟ فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاءً غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي، فإني أكفيكماها. وفي أخرى: وأن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وفي أخرى: ويحبس لأهله قوت سنتهم، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله.