الحديث رقم 17
نص الحلقة
لم نزل في حديث عائشة في الصحيحين عن وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. في رواية أخرى قالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وكانت إحدانا تعوذه بدعاء إذا مرض، فذهبت أعوذه، فرفع رأسه إلى السماء وقال: في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى. ومر عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده جريدة رطبة، جريدة غصن النخلة، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فظننت أن له بها حاجة، فأخذتها فمضغت رأسها ونفضتها فدفعتها إليه، فاستن بها كأحسن ما كان مستنًّا، ثم ناولنيها فسقطت يده، أو سقطت من يده، فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة. وفي أخرى نحوه إلا أنه قال: قالت دخل عبد الرحمن بسواك، فضعف النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فمضغته ثم سننته به. وفي أخرى أن عائشة كانت تقول: إن من نعم الله علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي ويومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته. دخل علي عبد الرحمن وبيده سواك، وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناوله فاشتد عليه، فقلت: ألينه لك. فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ فَأَمَرَّهُ. وأخرج البخاري عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم. الأبهر عِرْقٌ إذا انقطع مات صاحبه، وقيل هو الأكحل. وأخرج البخاري عن أنس قال: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: واكرب أبتاه. فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم. فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت: يا أنس، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟ وأخرج البخاري عن عائشة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وأبو بكر بالسنح. قال إسماعيل: تعني بالعالية. فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله. قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم. فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، وقال: بأبي أنت وأمي، طبت حيًّا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقنك الله الموتتين أبدًا. ثم خرج أبو بكر فقال: أيها الحالف على رسلك. فلما تكلم أبو بكر جلس عمر. فَحَمِدَ اللهَ أبو بكرٍ وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وقال: إنك ميت وإنهم ميتون. وقال: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين. فنشج الناس يبكون. قال: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير. فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر، وكان يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلامًا أعجبني، خشيت ألا يبلغه أبو بكر. ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا، ولكن الأمراء وأنتم الوزراء. زاد رزين: لن يعرف هذا الأمر إلا لحي من قريش، هم أوسط العرب دارًا وأعربهم أحسابًا. فبايعوا عمر أو أبا عبيدة بن الجراح. فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذ عمر بيده فبايعه، وبايعه الناس. فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة. فقال عمر: قتله الله. وأخرج البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: قالت عائشة في حديثها: أقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد. فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى ببرده، فكشف عن وجهه، وأكب عليه فقبله، ثم بكى، فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها. فقال أبو سلمة، فأخبرني ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس، فقال اجلس، فأبى، فقال اجلس، فأبى، فتشهد أبو بكر، فمال إليه الناس وتركوا عمر، فقال: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، إلى قوله الشاكرين. قال: والله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها. وأخرج البخاري عن أنس أنه سمع خطبة عمر بن الخطاب الآخرة حين جلس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك الغد من يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم، ثم قال عمر: أما بعد، فإني قلت لكم أمس مقالة وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله، ولا في عهد عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنني أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا، يريد أن يكون آخرهم. وَإِنْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ اللهَ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نُورًا تَهْتَدُونَ بِهِ، بِهِ هَدَى اللهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاعْتَصِمُوا بِهِ تَهْتَدُوا بِمَا هَدَى اللهُ بِهِ مُحَمَّدًا. وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ وَثَانِيَ اثْنَيْنِ، وَإِنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِأُمُورِكُمْ، فَقُومُوا إِلَيْهِ فَبَايِعُوهُ. وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ.