الحديث رقم 27
نص الحلقة
باب التفسير وأسباب النزول. أخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي. قال: ما هو؟ قال: فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، وقال: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وقال: ولا يكتمون الله حديثا، وقال: والله ربنا ما كنا مشركين، وقد كتموا في هذه الآية. وفي النازعات: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا إلى قوله: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا، فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض. ثم قال: أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إلى قوله: طَائِعِينَ، فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء. وقال: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وقال: وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا، وقال: وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، فكأنه كان ثم مضى. قال ابن عباس: فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون. ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأما قوله: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فيقول المشركون: تعالوا نقول ما كنا مشركين، فيختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم، فعند ذلك عُرف أن الله لا يكتم حديثا، وعنده ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. وخلق الأرض في يومين، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات في يومين آخرين، ثم دحا الأرض أي بسطها. وأخرج منها الماء والمرعى، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام، وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله دحاها. وقوله: خلق الأرض في يومين، فخلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السماوات في يومين. وقوله: وكان الله غفورًا رحيمًا، سمى نفسه ذلك، أي لم يزل، ولا يزال كذلك، وإن الله لم يرد شيئًا إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلًّا من عند الله. وقال النحاة: كان تفيد المضي والدوام. قال الله تعالى: قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيًّا. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم، وقالوا حبة في شعرة. وللبخاري: قالوا حطة حبة في شعرة. قوله سجدًا أي منحنين كهيئة من يريد السجود خضوعًا لله وشكرًا له. وقوله حطة أي مسألتنا حطة، وهي أن تحط عنا خطايانا. وقوله على أستاههم أي على أدبارهم. وأخرج البخاري عن البراء بن عازب قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا. وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فتوجه نحو الكعبة. وقال السفهاء وهم اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وفي رواية أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال، وقتلوا فلم ندري ما نقول فيهم، فأنزل الله عز وجل: وما كان الله ليضيع إيمانكم. وأخرج البخاري عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يجيء نوح وأمته، فيقول الله: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي رب. فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي. فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فنشهد أنه قد بلغ، وهو قوله جل ذكره: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس. وأخرج البخاري ومسلم عن عاصم بن سليمان قال: قلت لأنس: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم، لأنها كانت من شعائر الجاهلية، حتى أنزل الله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما. وفي رواية قال: كنا نرى ذلك من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل وذكر الآية. وفي أخرى قال: كانت الأنصار يكرهون أن يطوفوا بين الصفا والمروة حتى نزلت: إن الصفا والمروة من شعائر الله. وأخرج البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير قال: سألت عائشة فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما، فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة. قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت على ما أولتها كانت لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها أُنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله عز وجل: إن الصفا والمروة من شعائر الله. الآية. قالت عائشة: وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. قال الزهري: فأخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن، فقال: إن هذا العلم. وفي رواية: إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يذكرون أن إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل لمناة كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله. الآية. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما. في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا في الجاهلية بين الصفا والمروة، والذين كانوا يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعدما ذكر الطواف بالبيت. وفي رواية أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسان يهلون لمناة، فتحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سنة في آبائهم. من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة، وإنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك حين أسلموا، فأنزل الله تعالى في ذلك: إن الصفا والمروة من شعائر الله، وذكر الحديث إلى آخر الآية. وقوله يهلون من الإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية. ومناة صنم كانت لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة، والمشلل موضع بين مكة والمدينة، وكذلك قديد.