الحديث رقم 30
نص الحلقة
أخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ وفي رواية: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ليس ذاك، وإنما هو الشرك. ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم. وفي رواية قال: ليس كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم. وفي أخرى: ألم تسمعوا قول العبد الصالح: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم. وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومئة من سورة الأنعام: قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض. وأخرج مسلم عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافا تجعله على فرجها، وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله، وما بدا منه فلا أحله. فنزلت هذه الآية: خذوا زينتكم عند كل مسجد. قوله تطوافًا هو ثوب تجعله المرأة عليها تستر به عورتها، وكان أهل الجاهلية يطوفون عراة. وأخرج البخاري عن عبد الله بن الزبير في قوله: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، قال: ما أنزل الله هذه إلا في أخلاق الناس. قال الراغب: خذ العفو معناه خذ ما سهل تناوله، وقيل: خذ ما عفي لك من أفعال الناس وأخلاقهم وسهل من غير كلفة، ولا تطلب منهم ما يشق عليهم. وأخرج البخاري عن ابن عباس: إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون، قال: هم نفر من بني عبد الدار. قال الحافظ ابن حجر: قول ابن عباس الصم البكم نفر من بني عبد الدار، هم الذين كانوا يحملون اللواء يوم أحد حتى قتلوا وأسماؤهم في السيرة. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فنزلت: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون، وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام الآية. وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: لما نزلت: إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، كتب عليهم ألا يفر واحد من عشرة. وقال سفيان غير مرة: ألا يفر عشرون من مائتين. ثم نزلت: الآن خفف الله عنكم الآية، فكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين. وزاد سفيان مرة: نزلت حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون. قال سفيان: وقال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا. وفي رواية قال ابن عباس: لما نزلت إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم ألا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف فقال: الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين. فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. قوله: مثل هذا، أي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حكمه حكم الجهاد، فإن كان من يفعل المنكر أكثر من اثنين جاز للواحد عدم الإنكار، وإن كان اثنين فأقل وجب الإنكار. وأخرج الشيخان عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة، فقال: التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظنوا ألا يبقى أحد إلا ذُكر فيها. قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر. قلت: سورة الحشر؟ قال: نزلت في بني النضير. وفي رواية قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل سورة بني النضير. وأخرج مسلم عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله عز وجل: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية إلى آخرها. وأخرج البخاري عن محمد بن عباد أنه سمع ابن عباس يقرأ: أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ، قال: فسألته عنها، فقال: كان أناس يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. وفي رواية قال: كان الرجل يجامع امرأته فيستحيي أو يتخلى فيستحيي، فنزلت: أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ. تثنوني، وقرئ: يثنوني، مضارع ثنى، أي انعطف. كان أحدهم يطوي بعضه على بعض ليستر عورته، وقيل: نزلت في المنافقين، وقوله: يتخلوا أي يقضي حاجتهم في الخلاء. وأخرج البخاري عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا أو كُذِبوا، قالت: بل كذبهم قومهم، فقلت: والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم، وما هو بالظن. فقالت: يا عرية، أجل، لقد استيقنوا بذلك. فقلت: لعلها قد كُذِبوا. فقالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم. وظن أن أتباعهم كذبوهم، جاء نصر الله عند ذلك. وفي رواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال: قال ابن عباس: حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا خفيفة، قال: ذهب بها هناك، وتلا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب. قال: فلقيت عروة بن الزبير فذكرت ذلك له، فقال: قالت عائشة: معاذ الله، والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يموت، ولكن لم تزل البلايا بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم من قومهم يكذبونهم، وكانت تقرأها: وظنوا أنهم قد كذبوا مثقلة. قال أبو عبد الله البخاري: استيأسوا: استفعلوا من يئست منه. انتهى. قال ابن جوزي في زاد المسير: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر كُذِّبوا مشددة، والمعنى تيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم، فيكون الظن هاهنا بمعنى اليقين. هذا قول الحسن وعطاء وقتادة، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي كُذِبوا خفيفة، والمعنى ظن قومهم أن الرسل قد كُذِبوا فيما وُعدوا به من النصر، لأن الرسل لا يظنون ذلك. وقرأ أبو رزين ومجاهد والضحاك كَذَبوا، والمعنى ظن قومهم أيضاً أنهم قد كذبوا. قاله الزجاج.