الحديث رقم 28
نص الحلقة
أخرج البخاري عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله عز وجل لهذه الأمة: كُتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى، فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان. فالعفو أن يقبل الرجل الدية في العمد، واتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان أن يطلب هذا بمعروف ويؤدي هذا بإحسان. ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، أي مما كتب على من كان قبلكم، فمن اعتدى بعد ذلك، أي قتل بعد قبول الدية. وأخرج البخاري عن عبيد بن عمير قال: قال عمر بن الخطاب يوماً لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فيما ترون هذه الآية نزلت: أيود أحدكم أن تكون له جنة؟ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر، فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. قال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك. قال ابن عباس: ضُربت مثلاً لعمل. قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل. قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله عز وجل له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله ما في السماوات وما في الأرض، وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله، الآية، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب، فقالوا: يا رسولَ الله، كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهلُ الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير. قالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها: آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، قال: نعم. ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا، قال: نعم. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، قال: نعم. واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين، قال: نعم. وأخرج مسلم عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله، دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا. قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ. رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، قال: قد فعلت. رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، قال: قد فعلت. وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا، قال: قد فعلت. وأخرج البخاري عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن عمر، قال: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، إِنَّهَا قَدْ نُسِخَتْ، وفي رواية: نسختها الآية التي بعدها. وأخرج البخاري عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، بعد ما يقول: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ. وفي رواية معلقة قال: وعن حنظلة بن أبي سفيان عن سالم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ إلى قوله: فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد أن رجالًا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه. وثارحوا بمقاعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا له، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا الآية. وأخرج البخاري ومسلم عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن مروان قال للبواب: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا، لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه؟ إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم. ثم قرأ ابن عباس: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب حتى قوله: يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: إن رجلًا كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذق نخل، فكانت شريكته فيه وفي ماله، فكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى. وفي رواية أن عروة سألها عن قول الله تعالى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا إلى قوله: أو ما ملكت أيمانكم. قالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها. فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينتقص صداقها، فنُهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن. قالت عائشة: فاستفتى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، فأنزل الله تعالى: ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن، إلى قوله: وترغبون أن تنكحوهن. فبين الله لهم أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها، ولم يلحقوها بسنتها في إكمال الصداق، وإذا كانت مرغوبًا عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء. قالت: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، ليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها، ويعطوها حقها الأوفى من الصداق. وفي رواية النحوي، وفيه قالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، ويريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنُهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق. وفيه قالت عائشة: والذي ذكره الله أنه يُتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال فيها: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم. قالت: وقول الله عز وجل في الآية الآخرة: وترغبون أن تنكحوهن، رغبة أحدهم عن يتيمته التي في حجره حين تكون قليلة المال، فنُهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها، من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال. وفي أخرى عنها في قوله: ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن إلى آخر الآية، قالت: هي اليتيمة تكون في حجر الرجل، قد شركته في ماله، فيرغب عنها أن يتزوجها، ويكره أن يزوجها غيره فيدخل عليه في ماله، فيحبسها، فنهاهم الله عن ذلك. قوله: عذق نخل، بالفتح هي النخلة مع حملها، وهو المراد هنا. وقولها: لم يكن لها من نفسه شيء، أي لم يعاملها معاملة الأزواج، ولم يمتعها بنفسه زوجًا.