الحديث رقم 34

كتاب ذكر القرآن العظيم · المدة 10:09 · المقطع 14 من 15

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

أخرج مسلم عن سعد بن هشام قال: دخلت على عائشة فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ألست تقرأ يا أيها المزمل؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله عز وجل افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة. وسيأتي الحديث بطوله في باب صلاة الليل. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس في قول الله عز وجل: لا تحرك به لسانك لتعجل به، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك به شفتيه، فقال ابن عباس: أنا أحركهما كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما. وقال سعيد بن جبير: وأنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله تعالى: لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه. قال: جمعه لك في صدرك ثم تقرأه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. قال: فاستمع وأنصت، ثم علينا أن تقرأه. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل عليه السلام وبعد ذلك استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما أقرأه. وفي رواية كما وعده الله عز وجل. زاد البخاري: أولى لك فأولى، توعُّد. قوله: كان مما يحرك، أي كثيرًا يفعل ذلك. وأولى لك تهديد ووعيد، أي قاربك ما تكره. وقيل هي تلهف وتحسر، أيام حرم، أي شيء فاتك، والأول أشهر. وأخرج البخاري عن ابن عباس: إنها ترمي بشرر كالقصر. قال: كنا نرفع الخشبة للشتاء ثلاثة أذرع أو أقل ونسميه القصر، كأنه جمالات صفر، حبال السفن تُجمع حتى تكون كأوساط الرجال. قرأ الجمهور بإسكان الصاد: القصر، بشرر كالقصر، أي كالبناء الشامخ في عظمه وارتفاعه. وقرأ ابن عباس بفتحتين: القصر، ومعناه كما فسره هنا. وقرئ بضمتين: قُصُر، وبفتح ثم كسر، وبكسر ثم فتح، وبضم ثم سكون، فهذه ست قراءات. وقرئ جمالة بضم الجيم والإفراد، وهو الحبل الغليظ. وقرئ جمالات جمع جمالة، وقرئ جمالة بكسر الجيم جمع جمل، كما قيل حجر وحجارة، وقرئ جمالات جمع الجمع كرجال ورجالات، فهذه أربع. والصفر إبل سود مشوبة بصفرة، تسميها العرب صفرًا، كما سموا الذبابة أدمًا لما يعلو بياضها من الظلمة. وأخرج البخاري عن عكرمة: وكأسًا دهاقًا، قال: ملأى متتابعة. قال وقال ابن عباس سمعت أبي في الجاهلية يقول اسقنا كأسًا دهاقًا. قوله في الجاهلية أي سمعته منه في الجاهلية، والمراد جاهلية نسبية لا المطلقة، لأن ابن عباس لم يولد إلا بعد البعث بنحو عشر سنين، فكأنه أراد أنه سمعه يقول ذلك قبل أن يسلم، قاله ابن حجر. وأخرج البخاري عن ابن عباس: لتركبن طبقًا عن طبق، حالًا بعد حال، قال: هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم. قال الطبري: قرأها ابن مسعود وابن عباس وعامة قراء مكة والكوفة بفتح الباء: لتركبن خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فسرها ابن عباس. وقرأ الباقون بالضم على أنه خطاب للأمة: لتركبن طبقًا عن طبق. وأخرج الشيخان عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها، فقال: إذ انبعث أشقاها، انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة، عم الزبير بن العوام. قوله عقر الناقة أي قتلها، والعقر أصله ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم، والعارم الشديد الممتنع. وأخرج الشيخان عن جندب بن سفيان البجلي قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الْمَعُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَارِيَةَ الدَّلْوِ وَالْقِدْرِ. وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِي الْمَسْجِدِ، إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ. فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ. ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ فَقُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ، فَأَقُولُ: رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ. هَذِهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَفِي أُخْرَى لَهُ نَحْوُهَا، وَفِيهَا: إِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي فِي الْجَنَّةِ عَلَيْهِ حَوْضِي. وَلِلْبُخَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ. أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: الكوثر. وفي أخرى له قال: بينا أنا أسير في الجنة إذ أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طيبه أو طينه مسك أذفر. شك الراوي. قوله: آذفًا أي قريبًا أو الآن، ويختلج أي يجتذب وينتزع، والشانئ هو المبغض، والأبتر المقطوع. وقوله: مسك أذفر، الأذفر بالتحريك شدة ذكاء الرائحة، والأذفر أجود المسك وأذكاه رائحة، يقال: مسك أذفر، ويقال: مسك أذفر ومسك ذكي أي شديد الرائحة. وقد بوب مسلم رحمه الله على الحديث بقوله: باب حجة من قال البسملة آية من أول كل سورة سوى سورة براءة. وأخرج أحمد والترمذي والنسائي والحاكم والضياء المقدسي بسند حسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الكوثر فقال: نهر أعطانيه ربي أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وفيه طير كأعناق الجزر، وفي رواية: فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر. فقال عمر: يا رسول الله، إن تلك لطيور ناعمة. فقال: أكلتها أنعم منها يا عمر. الجزر جمع جزور، وهو البعير، ذكرًا كان أو أنثى. وقوله أكلتها أنعم منها في رواية آكلها، وفي أخرى آكلوها، وهو كقوله تعالى: وجوه يومئذ ناعمة. وأخرج البخاري عن عامر بن عبد الله بن مسعود قال: سألت عائشة عن قوله تعالى: إنا أعطيناك الكوثر، فقالت: الكوثر نهر أعطاه نبيكم صلى الله عليه وسلم، شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم. قال العيني: قولها عليه در يرجع لجنس الشاطئ، ولذلك لم يقل عليهما. وأخرج البخاري عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: في الكوثر هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قلت لسعيد: فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. الكوثر في اللغة الكثير من كل شيء. قال الحافظ: أراد سعيد أن يجمع بين تأويل ابن عباس وبين حديث عائشة، لكن ثبت تخصيص الكوثر بالنهر من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، فلا معدل عنه.