الحديث رقم 244
نص الحلقة
في كتاب القضاء أخرج البخاري ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر. قال النووي: قال العلماء أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالمٍ أهلٍ للحكم، فإن أصاب فله أجران: أجر باجتهاده وأجر بإصابته، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده. فأما من ليس بأهلٍ للحكم فلا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له، بل هو عاصٍ آثم في جميع أحكامه، سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها لا تنفذ ولا يُعذر في شيء منها. وقد جاء في الحديث في السنن: القضاة ثلاثة: قاضٍ في الجنة واثنان في النار، قاضٍ عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاضٍ عرف الحق فقضى بخلافه فهو في النار، وقاضٍ قضى على جهل فهو في النار. وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا. قال النووي: معناه أن هذا الفضل إنما هو لمن عدل فيما تقلده من خلافة أو إمارة أو قضاء أو حسبة أو نظر على يتيم أو صدقة أو وقف، وفيما يلزمه من حقوق أهله وعياله ونحو ذلك. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم. الألد الشديد اللدد، أي الجدال، والخصم الحاذق بالخصومة، والمذموم هو الخصومة بالباطل لدفع حق أو إثبات باطل. قال الله تعالى: وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم. وأخرج البخاري ومسلم عن عروة عن عبد الله بن الزبير وعن الزبير أن الزبير خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر. قال عروة: فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ للزبير حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى للزبير حقه في صريح الحكم. قال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: فلا وربك لا يؤمنون. حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا. قال ابن شهاب: فقدرت الأنصار والناس قول النبي صلى الله عليه وسلم: اسقِ ثم احبس حتى يرجع إلى الجدر، وكان ذلك إلى الكعبين. الشِّراج: مسائل المياه، واحدتها شرجة. وقوله: حتى يبلغ الجدر، أي حتى يبلغ أصل الحائط. وقوله: أحفظه، أي أثار حفيظته وأغضبه. قال النووي: قدره العلماء أن يرتفع الماء في الأرض كلها حتى يبتل كعب رجل الإنسان، فلصاحب الأرض الأولى أن يحبس الماء إلى هذا الحد، ثم يرسله إلى جاره الذي وراءه. وكان الزبير صاحب الأرض الأولى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اسقِ ثم أرسل الماء إلى جارك، أي اسقِ شيئًا يسيرًا دون حقك ثم أرسله إلى جارك. فلما قال الجار ما قال، أمره أن يأخذ جميع حقه. وأخرج البخاري ومسلم عن كعب بن مالك رضي الله عنه أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا كان له عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادى: يا كعب. قال: قلت لبيك يا رسول الله. فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك. قال كعب: قد فعلت يا رسول الله. قال: قم فاقضه. السجف، بكسر السين وفتحها، هو الستر. قال النووي: وفي هذا الحديث جواز المطالبة بالدين في المسجد، والشفاعة إلى صاحب الحق، والإصلاح بين الخصوم، وحسن التوسط بينهم، وقبول الشفاعة في غير معصية، وجواز الإشارة واعتمادها. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما. فقالت الصغرى: لا تفعل، رحمك الله، هو ابنها. فقضى به للصغرى. وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا. وجعل خالد بن الوليد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيرة، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرناه، فرفع يديه فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين. قوله صبأ إذا خرج من دين إلى دين، وكان على خالد رضي الله عنه أن يتثبت حتى يعلم مرادهم، لذا أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على أنه يكتفى من الإنسان بما يعرف من لغته، وعذر النبي صلى الله عليه وسلم خالدًا في اجتهاده فلم يقد منه. قال ابن حجر: قال ابن بطال: لا خلاف أن الحاكم إذا أخطأ فإنه مردود، لكن إن كان مجتهدًا فالإثم ساقط، وأما الضمان فيلزم عند الأكثر. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي وابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن والبغوي رحمهم الله جميعًا بسند حسن عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قالا: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي. الرشوة هي ما يُعطى لإبطال حق أو إحقاق باطل، والراشي معطيها والمرتشي آخذها. أما من أعطاها ليصل حقًا أو يدفع ظلمًا فلا بأس، وكذا الآخذ إذا أخذها لإحقاق حق أو إبطال باطل، إلا القضاة والولاة فلا تجوز لهم بحال؛ لأن ذلك واجب عليهم. انتهى مختصرًا عن الخطابي والقاري. وقال الخطابي: وروي أن ابن مسعود أُخذ في شيء وهو بأرض الحبشة فأعطى دينارين حتى خُلِّي سبيله. وروي عن الحسن والشعبي وجابر بن زيد وعطاء أنهم قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم.