الحديث رقم 257
نص الحلقة
باب ما جاء في السرقة. أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا. وفي رواية قالت: لم تقطع يد سارق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدنى من ثمن المجن، ترس أو حجفة، وكان كل واحد منهما ذا ثمن. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في مجن قيمته، وفي لفظ ثمنه، ثلاثة دراهم. قال النووي: أجمع العلماء على قطع يد السارق، واختلفوا في اشتراط النصاب وقدره، فقال أهل الظاهر: لا يشترط نصاب، بل يقطع في القليل والكثير، واحتجوا بعموم قوله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما. وقال جماهير العلماء: لا تقطع إلا في نصاب، لهذه الأحاديث الصحيحة. ثم اختلفوا في قدر النصاب، فقال الأكثرون: النصاب ربع دينار ذهبا، أو ما قيمته ربع دينار، ولا يقطع في أقل منه. وقال مالك وأحمد: تقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمته أحدهما، وقيل غير ذلك. والصحيح الأول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صرح به. وأما رواية أنه صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم، وكذا رواية لم تقطع يد سارق في أقل من ثمن المجن، فمحمولة على أن هذا القدر كان ربع دينار فصاعدا، وهي قضية عين لا عموم لها. فلا يجوز ترك صريح لفظه صلى الله عليه وسلم في تحديد النصاب لهذه الرواية المحتملة، بل يجب حملها على موافقة لفظه، ولا بد من هذا التأويل ليوافق صريح تقديره صلى الله عليه وسلم. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده. قال ابن الأثير: إن أريد بالبيضة بيضة الدجاجة، فالإجماع على ترك قطع سارقها ينافيه، وإن أريد به الخوذة، فإن ثمنها يبلغ أكثر من نصاب القطع. وقال ابن قتيبة: الوجه أنه أراد بيضة الدجاجة، ثم أعلمه الله بعد أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار فما فوقه. وقال النووي: الصواب أن المراد التنبيه على عظيم ما خسر، وهي يده، في مقابلة حقير من المال وهو ربع دينار، فإنه يشارك البيضة والحبل في الحقارة. وقيل: قال هذا عند نزول آية السرقة مجملة من غير بيان نصاب، فقاله على ظاهر اللفظ، والله أعلم. باب ما جاء في حد شارب الخمر. أخرج أحمد وابن ماجه والترمذي وأبو داود والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه. وفي رواية: إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم. قال الترمذي: هذا الحديث منسوخ عند عامة أهل العلم، ومما يقوي نسخه ما روي من أوجه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، وذكر حديث ابن مسعود المتقدم قريبًا. وقال النووي: هو كما قال، فهو حديث منسوخ دل الإجماع على نسخه. وقال ابن القيم في تهذيب السنن: الذي يقتضيه الدليل أن الأمر بقتله ليس حتمًا، لكنه تعزير بحسب المصلحة، فإذا أكثر الناس من الخمر ولم ينزجروا بالحد، فرأى الإمام أن يقتل فيه قتل. واستوفى الشيخ أحمد شاكر رحمه الله الكلام في هذا في رسالة له بعنوان كلمة الفصل في قتل مدمن الخمر. وأخرج البخاري عن السائب بن يزيد قال: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإمرة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين. وأخرج البخاري عن أبي سروعة عقبة بن الحارث رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بابن نعيمان، وهو شارب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من في البيت أن يضربوه، فضربوه بالجريد والنعال، وكنت فيمن ضربه. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بالجريد والنعال. وجلد أبو بكر أربعين، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريد نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر. الجريد جمع جريدة، والجريدة للنخلة كالقضيب للشجرة، وقوله: أخف الحدود بالنصب، أي اجلده كأخف الحدود، أو اجعله كأخف الحدود. قال النووي في شرح مسلم: أجمعوا على الاكتفاء بالجريد والنعال وأطراف الثياب، والأصح جوازه بالسوط. وقال ابن حجر في فتح الباري: وتوسط بعض المتأخرين فعين السوط للمتمردين، وأطراف الثياب والنعال للضعفاء. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب، فقال: اضربوه. فقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان. وفي رواية: لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم. وأخرج مسلم عن حضين بن المنذر قال: شهدت عثمان بن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ. فقال عثمان إنه لم يتقيأ حتى شربها، فقال يا علي قم فاجلده، فقال علي قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن ولِّ حارَّها من تولى قارَّها، فكأنه وجد عليه، فقال يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده، وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال أمسك، ثم قال جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي. قوله: ولِّ حارَّها من تولى قارَّها، القار هو البارد، والضمير للخلافة والولاية، أي ولِّ شدائدها وأوساخها من تولى هنيئها ولذاتها. وقوله: وجد عليه، أي غضب عليه. وأخرج البخاري ومسلم عن عمير بن سعيد النخعي قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: ما كنت لأقيم حدًّا على أحد فيموت فأجد منه في نفسي إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه. قوله: وديته، أي أعطيت ديته لوليه. وقوله: لم يسنه، أي لم يسن فيه عددًا معينًا. قال النووي: وقد أجمع العلماء على أن من وجب عليه الحد فجلده الإمام أو جلاده الحد الشرعي فمات فلا دية فيه ولا كفارة، وأما من مات من التعزير فعند جماهير العلماء لا ضمان فيه، والله أعلم. وأخرج البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم... كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم أحيانًا، وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب، فأتي به يومًا فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلعنوه، فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله. سيأتي الحديث في باب فضائل الصحابة، وقوله: فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله، كذا للأكثر، ووقع في شرح السنة: فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله. قال ابن حجر: يستفاد منه كراهة الدعاء على العاصي بالإبعاد عن رحمة الله، كاللعن، وأن قوله صلى الله عليه وسلم: لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، المراد به نفي كمال الإيمان، لا أنه يخرج عن الإيمان جملة.