الحديث رقم 249
نص الحلقة
في كتاب القضاء، أخرج البخاري عن أبي قلابة أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوماً للناس، ثم أذن لهم فدخلوا، فقال لهم: ما تقولون في القسامة؟ قالوا: نقول: القسامة القود بها حق، وقد أقادت بها الخلفاء. فقال لي: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونصبني للناس. فقلت: يا أمير المؤمنين، عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى ولم يروه، أكنت ترجمه؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه قد سرق، أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا. قلت: فوالله ما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً قط إلا في إحدى ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه فقتل، أو رجل زنى بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام. فقال القوم: أوليس قد حدث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في السرق، وسمر الأعين، ثم نبذهم في الشمس؟ فقلت: أنا أحدثكم حديث أنس. حدثني أنس أن نفراً من عكل ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا المدينة، فسقمت أجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها؟ قالوا: بلى. فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فصحوا. فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأطردوا النعم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل في آثارهم فأدركوا، فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وسمر أعينهم. وفي رواية: إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء، ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا. قلت: وأي شيء أشد مما صنع هؤلاء؟ ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا، وسرقوا. وزاد في رواية، قال قتادة: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة، وينهى عن المثلة. قال: وحدثني ابن سيرين أن ذلك قبل أن تنزل الحدود. فقال عن بسرة بن سعيد: والله إن سمعتك اليوم قط. قلت: أترد علي حديثي يا عمسة؟ فقال: لا، ولكن جئت بالحديث على وجهه. والله لا يزال هذا الجند بخير ما عاش هذا الشيخ بين أظهرهم. قلت: وقد كان في هذا سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. دخل عليه نفر من الأنصار، فتحدثوا عنده، فخرج رجل منهم بين أيديهم فقتل، فخرجوا بعده فإذا هم بصاحبهم يتشحط في الدم، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، صاحبنا كان يتحدث معنا، فخرج بين أيدينا، فإذا نحن به يتشحط في الدم. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من تظنون أو من ترون قتله؟ قالوا: نرى أن اليهود قتلته. فأرسل إلى اليهود فدعاهم. فقال: آنتم قتلتم هذا؟ قالوا: لا. قال: أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه؟ قالوا: ما يبالون، أيقتلون أجمعين ثم ينفلون، أي يحلفون. قال: أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟ قالوا: ما كنا لنحلف، فوداه من عنده. قلت: وقد كانت هذيل خلعوا خليعًا لهم في الجاهلية، فطرق أهل بيت من اليمن بالبطحاء، فانتبه له رجل منهم فحذفه بالسيف فقتله، فجاءت هذيل فأخذوا اليماني ورفعوه إلى عمر بالموسم، وقالوا: قتل صاحبنا. فقال: إنهم قد خلعوه. فقال: يقسم خمسون من هذيل ما خلعوه. قال: فأقسم منهم تسعة وأربعون رجلًا، وقدم رجل منهم من الشام، فسألوه أن يقسم فافتدى يمينه منهم بألف درهم، فأدخلوا مكانه رجلًا فدفعه إلى أخي المقتول، فقيل: انت يده بيده. قالوا: فانطلق والخمسون الذين أقسموا حتى إذا كانوا بنخلة أخذتهم السماء، فدخلوا في غار في الجبل، فانهجم الغار على الخمسين الذين أقسموا فماتوا جميعًا، وأفلت القرينان، واتبعهما حجر فكسر رجل أخي المقتول، فعاش حولًا ثم مات. قلت: وقد كان عبد الملك ابن مروان أقاد رجلًا بالقصامة ثم ندم بعد ما صنع، فأمر بالخمسين الذين أقسموا فمحوا من الديوان وسيرهم إلى الشام. أبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي. أحد أعلام التابعين، وثقاتهم، معدود في الطبقة الأولى من طبقات تابعي البصرة، وعمبسة هو ابن سعيد بن العاص الأموي القرشي، سمع أبا هريرة، وروى عنه الزهري. والسرق، مصدر سرق يسرق، والاسم السرق، والسرقة. وقوله: سمر عينه، أي يحملها مسمارًا وكحلها به ليذهب البصر، وسملها إذا فقأها بحديدة محماة. والرعاء جمع راع. وقوله: استوخموا المدينة، أي لم توافق مزاجهم. وسيأتي حديثهم في كتاب الطب إن شاء الله. والنفل اليمين، والخليع هو المخلوع، وهو الذي خلعه قومه، أي حكموا بأنه مفسد فتبرؤوا منه، وهذا مما أبطله الإسلام، ولذا قيده بقوله في الجاهلية. وقوله: انهجم عليهم الغار، أي سقط عليهم بغتة. والقرينان هما أخو المقتول، والذي أكمل الخمسين. وحاصل القصة أن القاتل ادعى أن المقتول لص، وأن قومه خلعوه، فأنكروا هم ذلك، وحالفوا كاذبين، فأهلكهم الله بحينث القسامة، وخلص المظلوم وحده. وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم. كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى، فانطلق معه في إبله، فمر به رجل من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه، فقال: أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنفر الإبل. فَأَعْطَاهُ عِقَالًا فَشَدَّ بِهِ عُرْوَةَ جُوَالِقِهِ، فَلَمَّا نَزَلُوا عُقِلَتِ الإِبِلُ إِلَّا بَعِيرًا وَاحِدًا، فَقَالَ الَّذِي اسْتَعْجَرَهُ: مَا شَأْنُ هَذَا الْبَعِيرِ لَمْ يُعْقَلْ مِنْ بَيْنِ الإِبِلِ؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ عِقَالٌ. قَالَ: فَأَيْنَ عِقَالُهُ؟ فَحَذَفَهُ بِعَصًا كَانَ فِيهَا أَجَلُهُ. فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ الْمَوْسِمَ؟ قَالَ: مَا أَشْهَدُ، وَرُبَّمَا شَهِدْتُ. قَالَ: هَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي رِسَالَةً مَرَّةً مِنَ الدَّهْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِذَا شَهِدْتَ الْمَوْسِمَ فَنَادِ: يَا آلَ قُرَيْشٍ، فَإِذَا أَجَابُوكَ فَنَادِ: يَا آلَ بَنِي هَاشِمٍ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَسَلْ عَنْ أَبِي طَالِبٍ، فَأَخْبِرْهُ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي فِي عِقَالٍ. وَمَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ، فَلَمَّا قَدِمَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ أَتَاهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ صَاحِبُنَا؟ قَالَ: مَرِيضٌ، فَأَحْسَنْتُ الْقِيَامَ عَلَيْهِ، وَوَلِيتُ دَفْنَهُ. قَالَ: قَدْ كَانَ أَهْلَ ذَاكَ مِنْكَ. فَمَكَثَ حِينًا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي أَوْصَى إِلَيْهِ أَنْ يُبَلِّغَ عَنْهُ وَافَى الْمَوْسِمَ، فَقَالَ: يَا آلَ قُرَيْشٍ. قَالُوا: هَذِهِ قُرَيْشٌ. قَالَ: يَا آلَ بَنِي هَاشِمٍ. قَالُوا: هَذِهِ بَنُو هَاشِمٍ. قَالَ: أَيْنَ أَبُو طَالِبٍ؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو طَالِبٍ. قَالَ: أَمَرَنِي فُلَانٌ أَنْ أُبَلِّغَكَ رِسَالَةً، أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ فِي عِقَالٍ. فَأَتَاهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: اخْتَرْ مِنَّا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَدِّيَ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، فَإِنَّكَ قَتَلْتَ صَاحِبَنَا، وَإِنْ شِئْتَ حَلَفَ خَمْسُونَ مِنْ قَوْمِكَ إِنَّكَ لَمْ تَقْتُلْهُ، فَإِنْ أَبَيْتَ قَتَلْنَاكَ بِهِ. فَأَتَى قَوْمَهُ. فَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالُوا نَحْلِفُ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أُحِبُّ أَنْ تُجِيزَ بَنِي هَذَا بِرَجُلٍ مِنَ الْخَمْسِينَ، وَلَا تُصْبِرَ يَمِينَهُ حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ. فَفَعَلَ. فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَرَدْتَ مِنَّا خَمْسِينَ رَجُلًا أَنْ يَحْلِفُوا مَكَانَ مِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، يُصِيبُ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَعِيرَانِ، هَذَانِ بَعِيرَانِ فَاقْبَلْهُمَا مِنِّي، وَلَا تُصْبِرْ يَمِينِي حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ. فَقَبِلَهُمَا، وَجَاءَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ فَحَلَفُوا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ وَأَرْبَعِينَ عَيْنٌ تَطْرِفُ. الْجَوَالِقُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا، وِعَاءٌ مِنْ جُلُودٍ وَثِيَابٍ وَغَيْرِهَا، وَجَمْعُهُ جَوَالِقُ وَجَوَالِيقُ. وَصَبْرُ الْيَمِينِ إِلْزَامُ الْمُتَّهَمِ بِهَا وَإِكْرَاهُهُ عَلَيْهَا. وَقَوْلُهَا تُجِيزُ بَنِي، أَيْ تُعْفِيهِ مِنَ الْيَمِينِ. وَرُوِيَ تُجِيرُ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ. وَقَوْلُهُ حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ، أَيْ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ. وَعَيْنٌ تَطْرِفُ بِكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ تَتَحَرَّكُ.