الحديث رقم 256

كتاب القضاء · المدة 8:41 · المقطع 13 من 15

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب اللعان وحد القذف، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ذُكر التلاعن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عاصم بن عدي في ذلك قولًا ثم انصرف، فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه قد وجد مع امرأته رجلًا، فقال عاصم: ما ابتليت بهذا الأمر إلا لقولي. فذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي وجد على امرأته، وكان ذلك الرجل مصفرًّا قليل اللحم، سبط الشعر، وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله خدلًا آدم كثير اللحم جعدًا قططًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم بيّن. فوضعت شبيهًا بالذي ذكر زوجها أنه وجده عندها، فلاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما. فقال رجل لابن عباس في المجلس: أهي التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو رجمت أحدًا بغير بينة لرجمت هذه؟ فقال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانت تظهر السوء في الإسلام، وفي رواية قال: لا، تلك امرأة أعلنت. قوله خدل: الخدل الغليظ الممتلئ الساق، ومثله الخدلج، وستأتي قريبًا. والآدم هو الأسمر، والجعد القطط شديد جعودة الشعر. وقوله امرأة أعلنت أي اشتهر وشاع عنها الفاحشة، ولكن لم يثبت ببينة والاعتراف. وعند ابن ماجه عن ابن عباس: لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر فيها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها. وفيه أن الحد لا يقام على أحد بمجرد الشياع والقرائن، ولو كان متهمًا بالفاحشة، بل لا بد من بينة أو إقرار، قاله المهلب والنووي وغيرهما. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا رمى امرأته وانتفى من ولدها في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاعنا كما قال الله عز وجل، ثم قضى بالولد للمرأة، وفرق بين المتلاعنين. وفي رواية: ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بأمه. وفي أخرى: فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني العجلان، وقال الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ فأبيا. فقال الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ فأبيا. فقال الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثلاثًا، فأبيا، ففرق بينهما. وفي أخرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين: حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها. قال: يا رسول الله، مالي؟ قال: لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها. وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا رَجُلًا عَلَى امْرَأَتِهِ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ. فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، وَلَيُنْزِلَنَّ اللهُ فِي أَمْرِي مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ. فَجَاءَ جِبْرِيلُ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ. فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا، فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، فَقَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ. قَوْلُهُ: سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ أَيْ تَامَّتُهُمَا وَضَخْمُهُمَا، وَخَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ أَيْ مُمْتَلِئَتُهُمَا، وَقَوْلُهُ: لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ. يعني لولا ما سبق من حكم الله تعالى أن اللعان يدفع الحد عن المرأة، لأقمت عليها الحد من أجل الشبه الظاهر بالذي رميت به. وشريك كان يأوي إلى منزل هلال بن أمية وسحماء أمه. قال القرطبي: ثم كان الغلام بعد ذلك أميرًا بمصر، وهو لا يعرف لنفسه أبًا. وقال ابن حجر: اختلف الأئمة في هذا الموضع، فمنهم من رجح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر أيضًا، فنزلت في شأنهما معًا في وقت واحد، وقد جنح النووي إلى هذا وسبقه الخطيب. وأخرج مسلم عن أنس أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، وكان أخا البراء بن مالك لأمه، فكان أول رجل لاعن في الإسلام، فلاعنها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبصروها، فإن جاءت به أبيض سبطًا قضيء العينين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء. فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين. حمش الساقين ويقال أحمش الساقين أي دقيقهما، وقضيء العين أي فاسد العين. وأخرج مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إنا ليلة الجمعة في المسجد، إذ جاء رجل من الأنصار فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا. فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ. والله لا أسألن عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كان من الغد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ. فقال: اللهم افتح، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات إلى آخر الآيات. فابتلي به ذلك الرجل من بين الناس، فجاء هو وامرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فذهبت لتلعن، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: مه، فأبت فلعنت، فلما أدبرا قال لعلها أن تجيء به أسود جعداً، فجاءت به أسود جعداً. قوله: اللهم افتح، أي احكم، والفتح هو الحكم، كقوله: قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم. والرجل الجعد شديد الأسر والخلق، والشعر جعد ضد السبط.