الحديث رقم 245
نص الحلقة
في كتاب القضاء، أخرج مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. الجلحاء التي لا قرن لها، ويقال لها أيضًا الجماء. قال النووي: هذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة وإعادتها كما يعاد أهل التكليف من الآدميين، وكما يعاد الأطفال والمجانين ومن لم تبلغه دعوة، وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة. قال الله تعالى: وإذا الوحوش حشرت. وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي والبزار وأبو يعلى والحاكم بسند حسن عن عبد الله بن الزبير عن أبيه رضي الله عنهما قال: لما نزلت ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون، قال الزبير: يا رسول الله، أتكرر علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا؟ وفي رواية: أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: نعم، ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه. فقال الزبير: والله إن الأمر لشديد. وأخرج أحمد والنسائي والحاكم بسند حسن عن أسيد بن ظهير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أنه إذا وجدها، يعني السرقة، في يد الرجل غير المتهم، فإن شاء أخذها بما اشتراها، وإن شاء اتبع سارقه. وقضى بذلك أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم. وسيد بن ظهير، ابن رافع بن عدي الأوسي الأنصاري، ابن عم رافع بن خديج بن رافع، شهد الخندق، وأبوه ظهير من كبار الصحابة ممن شهد العقبة، وتقدم حديثه قريبًا في كراع الأرض. باب الدعاوى والبينات. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين على المدعى عليه، ولمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه. وللبخاري أن امرأتين كانتا تخرزان في بيت أو في الحجرة، فخرجت إحداهما وقد أنفذ بإشفى في كفها، فادعت على الأخرى، فرفع ذلك إلى ابن عباس، فقال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو يُعطى الناس بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم، ذكروها بالله، واقرؤوا عليها: إن الذين يشترون بعهد الله، فذكروها فاعترفت. فقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: اليمين على المدعى عليه. قوله: أنفذ في كفها، أي ثُقبت من البطن إلى الظهر، ومنه النافذة. والإشفى مثل المخيط له مقبض يخرج به الخراز. وأخرج مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد. قال النووي: فيه جواز القضاء بشاهد ويمين المدعي، وهو قول جمهور علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم رضي الله عنهم أجمعين. وأخرج البخاري عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة أن بني صهيب مولى بني جدعان ادعوا بيتين وحجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى ذلك صهيبًا، فقال مروان: من يشهد لكم على ذلك؟ قالوا: ابن عمر، فدعاه فشهد: أن أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم صهيبًا بيتين وحجرة، فقضى مروان بشهادته لهم. قال ابن حجر: استدل به بعض المتأخرين لقول بعض السلف كشريح: إنه يكفي الشاهد الواحد إذا انضمت إليه قرينة تدل على صدقه، وترجم أبو داود في السنن: باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم. وساق قصة خزيمة بن ثابت في سبب تسميته ذا الشهادتين، وهي مشهورة، والجمهور على أن ذلك خاص بخزيمة. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون مروان أعطى ذلك من يستحق عنده العطاء من مال الله. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض على قوم من اليمين فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف. وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم. فلما قدم بتاركته، فقدوا جامًا من فضة مخوصًا بذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وجد الجام بمكة، فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أوليائه فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم. قال: وفيهم نزلت هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية. تميم وعدي كانا نصرانيين، وأسلم تميم فيما بعد ولم يسلم عدي، والجام هو الكأس، والمخوص هو المنقوش بخطوط طويلة كالخوص، وهي ورق النخل، ورجلان من أوليائه أي من أولياء السهمي الميت، وهما عمرو بن العاص، والآخر قيل هو المطلب بن وداعة رضي الله عنهما، ومعنى قوله الأوليان أي الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان. وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان. قال عبد الله: ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله عز وجل: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا إلى آخر الآية. قال: فدخل الأشعث بن قيس الكندي. وقال ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا كذا وكذا. قال: صدق أبو عبد الرحمن. كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شاهداك أو يمينه. وفي رواية: بينتك أو يمينه. قلت: إنه إذن يحلف ولا يبالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين يستحق بها مالًا وهو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان. فأنزل الله تصديق ذلك، ثم اقترأ هذه الآية: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا إلى آخر الآية. قوله: يمين صبر هي التي تلزم ويجبر عليها حالفها، يقال: أصبره اليمين أي أحلفه بها في مقاطع الحق. وأخرج ابن ماجه وأبو داود والبزار والدارقطني والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية. قال الخطابي: كره شهادتهم لجهالتهم بأحكام الشريعة وعدم ضبطهم للشهادة. وقال مالك: من يشهد بدويًا ويدع جيرته من أهل الحضر عند مريب. وقال القرطبي: كونه بدويًا ككونه من بلد آخر. وقال عامة العلماء: شهادة البدوي إذا كان عدلًا يقيم الشهادة على وجهها جائزة. وأخرج البخاري عن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي. في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه بسريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة. أخرجه في باب الشهداء العدول. وقال القرطبي في التفسير: قوله تعالى: ممن ترضون من الشهداء يدل على أن في الشهود من لا يرضى، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا محمولين على العدالة حتى تثبت لهم، وذلك يقتضي قطعًا أن العدالة معنى زائد على الإسلام، وهذا قول الجمهور. ولما كانت الشهادة مرتبة منيفة، وهي قبول قول الغير على الغير، شرط تعالى فيها الرضا والعدالة، فربما تفرس الحاكم في الشاهد غفلة أو ريبة فيرد شهادته لذلك. انتهى مختصرًا.