الحديث رقم 250
نص الحلقة
في كتاب القضاء أخرج الشافعي وابن ماجه وأبو داود والبزار والنسائي والدارقطني والبيهقي في السنن بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من قُتل في عمية، في رمي يكون بينهم بالحجارة أو جلد بالسياط أو ضرب بعصا، فهو خطأ، وعقله عقل الخطأ، ومن قُتل عمدًا فهو قود، ومن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف ولا عدل. العمية من العمى، أي يعمى أمره ولا يتبين قاتله. وروي: عمية، ورمية، وعمية، ورمية. وقوله: في رمي يكون بينهم، هذا بيان لما قبله، أي ترامى القوم فوجد بينهم قتيل أو ضرب بعصا. في بعض النسخ: أو ضرب، مبني للمجهول. وقوله: فهو خطأ، أي حكمه حكم الخطأ حيث تجب الدية لا القصاص. وعقله عقل الخطأ، أي ديته دية الخطأ. وقوله: فهو قود، أي فحكمه القصاص. ومن حال دونه، أي دون القاتل، أي يختص منه. وقوله: صرف ولا عدل، قيل: نفل ولا فرض، وقيل: توبة ولا فدية. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فُتحت مكة قام فقال: من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يُودى. وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ، يُودَى، أَيْ تُدْفَعُ لَهُ الدِّيَةُ، وَيُقَادَ، أَيْ يُقْتَلُ الْقَاتِلُ. وَأَخْرَجَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ إِنْسَانًا قُتِلَ بِصَنْعَاءَ، وَأَنَّ عُمَرَ قَتَلَ بِهِ سَبْعَةَ نَفَرٍ، وَقَالَ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ جَمِيعًا. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عُمَرَ قَتَلَ نَفَرًا خَمْسَةً أَوْ سَبْعَةً بِرَجُلٍ وَاحِدٍ قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَةٍ. وَقَالَ عُمَرُ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا. الْغِيلَةُ: الْخَدِيعَةُ وَالْمَكْرُ. وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا، وَفِيهِ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمْ، وَعَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَدَلِيلُهُ خَبَرُ عُمَرَ هَذَا، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ، فَثَبَتَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا قَتَلَ أَخِي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَقَتَلْتَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ. قَالَ: نَعَمْ، قَتَلْتُهُ. قَالَ: كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَخْتَبِطُ مِنْ شَجَرَةٍ. فَسَبَّنِي فَأَغْضَبَنِي، فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ فَقَتَلْتُهُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلَّا كَفَفْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالِي مِنْ مَالٍ إِلَّا كِسَائِي وَفَأْسِي. قَالَ: أَتُرَى قَوْمَكَ يَشْرُونَكَ؟ قَالَ: أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ ذَلِكَ. فَرَمَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنِسْعَتِهِ، وَقَالَ: دُونَكَ صَاحِبَكَ. فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ. فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ: إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ، وَمَا أَخَذْتُهُ إِلَّا بِأَمْرِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ؟ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، لَعَلَّهُ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاكَ. فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ. فَأَتَى رَجُلٌ الرَّجُلَ فَقَالَ لَهُ مَقَالَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَلَّى عَنْهُ. النِّسْعَةُ: سَيْرٌ مَظْفُورٌ مِنْ جُلُودٍ يُجْعَلُ زِمَامًا لِلْبَعِيرِ وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: نَخْتَبِطُ، أَيْ نَجْمَعُ الْخَبَطَ، وَهُوَ وَرَقُ السَّمُرِ، يُضْرَبُ الشَّجَرُ بِالْعَصَا فَيَسْقُطُ وَرَقُهُ فَيُجْمَعُ عَلَفًا. وَقَوْلُهُ: يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ، هَكَذَا فِي الْمَطْبُوعِ مِنْ مُسْلِمٍ. وَجَاءَ عِنْدَ ابْنِ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ. وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: دَعْهُ يَبُوءُ بِإِثْمِ صَاحِبِهِ وَإِثْمِهِ. وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْقُرْآنِ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ. قَالَ الْقَاضِي: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قَتْلَ الْقِصَاصِ لَا يُكَفِّرُ ذَنْبَ الْقَاتِلِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ كَفَّرَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَيَبْقَى حَقُّ الْمَقْتُولِ. وَقَوْلُهُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ هَذَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِأَمْرِهِ، وَإِنَّمَا قَالَهُ تَعْرِيضًا لِحَظِّهِ عَلَى الْعَفْوِ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتُهُ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَعَضُّ أَحَدُكُمْ يَدَ أَخِيهِ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟ لَا دِيَةَ لَكَ، فَأَبْطَلَهُ. وَقَالَ: أَرَدْتَ أَنْ تَأْكُلَ لَحْمَهُ؟ وَلِمُسْلِمٍ قَالَ: مَا تَأْمُرُنِي؟ تَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَهُ أَنْ يَدَعَ يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟ ادْفَعْ يَدَكَ حَتَّى يَعَضَّهَا ثُمَّ انْتَزِعْهَا. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، وَكَانَ مِنْ أَوْثَقِ أَعْمَالِي فِي نَفْسِي، فَكَانَ لِي أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَانًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ صَاحِبِهِ، فَانْتَزَعَ إِصْبَعَهُ فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ فَسَقَطَتْ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، وَقَالَ: أَيَعَضُّ إِصْبَعَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟ قَوْلُهُ: أَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ أَيْ أَسْقَطَهَا. وقضم يقضم من باب شرب، هو الأكل بأطراف الأسنان، وقوله أهدر فنيته أي أبطلها وأباحها، والهدر ما يبطل من دم وغيره. وأخرج مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار: تقتلك الفئة الباغية. وفي رواية قال: تقتل عمارًا الفئة الباغية. قال النووي: قال العلماء هذا الحديث حجة ظاهرة في أن عليًا رضي الله عنه كان محقًا مصيبًا، والطائفة الأخرى بغاة، لكنهم مجتهدون فلا إثم عليهم لذلك، وفيه معجزات ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، منها أن عمارًا يقتل، وأنه يقتله مسلمون، وأنهم بغاة، وأن الصحابة يتقاتلون ويكونون فرقتين باغية وغيرها، وكل هذا قد وقع كما قال صلى الله عليه وسلم.